بقلم: د. محمود خليل
اقتتل فريق الأنصار الثائرين وجيش «يزيد» فى «الحرّة» اقتتالاً شديداً، ثم انهزم أهل المدينة، وانسحبوا إليها، وقد قُتل من الفريقين خلق من السادات والأعيان، ثم أباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثة أيام، كما أمره «يزيد»، وقتل خلقاً من أشرافها وقرَّائها (القرَّاء هم علماء الدين)، وانتهب أموالاً كثيرة منها، ووقع شر وفساد عريض على ما ذكره غير واحد، واستدعى «مسلم» على بن الحسين، فجاء يمشى بين مروان بن الحكم وابنه «عبدالملك»، ليأخذ له بهما عنده أماناً، ولم يشعر أن «يزيد» أوصاه به، فلما جلس بين يديه استدعى «مروان» بشراب، وقد كان مسلم بن عقبة حمل معه من الشام ثلجاً إلى المدينة، فكان يشاب له بشرابه، فلما جىء بالشراب شرب «مروان» قليلاً، ثم أعطى الباقى لعلى بن الحسين ليأخذ له بذلك أماناً، وكان «مروان» ودوداً مع على بن الحسين، فلما نظر إليه مسلم بن عقبة قد أخذ الإناء فى يده، قال له: لا تشرب من شرابنا، ثم قال له: إنما جئت مع هذين لتأمن بهما، فارتعدت يد على بن الحسين، وجعل لا يضع الإناء من يده ولا يشربه، ثم قال له: لولا أن أمير المؤمنين أوصانى بك لضربت عنقك، ثم قال له إن شئت أن تشرب فاشرب، وإن شئت دعونا لك بغيرها، فقال هذه التى فى كفى أريد. فشرب، ثم قال له مسلم بن عقبة: قم إلى ههنا فاجلس، فأجلسه معه على السرير، وقال له إن أمير المؤمنين أوصانى بك، وإن هؤلاء شغلونى عنك، ثم قال لعلى بن الحسين: لعل أهلك فزعوا، فقال: إى والله، فأمر بدابته فأسرجت، ثم حمله عليها حتى رده إلى منزله مكرماً.
ومن اللافت أن «ابن كثير»، صاحب «البداية والنهاية»، وهو يسرد وقائع مذبحة الأنصار فى «الحرّة» يصب لعناته على مسلم بن عقبة، وكأن الأخير كان يتصرف من عندياته، ولم يكن إلا أداة لتنفيذ أوامر «يزيد بن معاوية»!. ولم يتوقف الأمر عند حد القتل والسلب والنهب، بعد أن استبيحت المدينة ثلاث ليالٍ، بل تجاوز الأمر ذلك إلى الوقوع بالنساء. ويشير «ابن كثير» إلى أن جنود يزيد «وقعوا على النساء حتى قيل إنه حبلت ألف امرأة فى تلك الأيام من غير زوج». وبلغ عدد القتلى يوم «الحرّة» سبعمائة من وجوه الناس من المهاجرين والأنصار ووجوه الموالى، ومن غيرهم عشرة آلاف قتيل.
انتهى أمر أنصار رسول الله باستئصال شأفتهم على يد يزيد بن معاوية، حين اندلعت ثورتهم الكبرى ضده، والتى يطلق عليها «ثورة الحرّة»، فقد أبى عليهم إيمانهم أن يرضوا بأن يكون حاكمهم «يزيد»، بما يعلمون عنه من ضعف إيمان، وتجرؤ غير مسبوق على حرمات الله، وكان أشدها على نفس الأنصار قتل سبط نبيهم الحسين بن على، رضى الله عنهما. أخمد «يزيد» الثورة مستخدماً أقصى درجات العنف، وبعد رضوخ الثائرين، أمر «يزيد» باستباحة مدينة رسول الله 3 أيام متتالية، كثرت فيها المذابح بين الرجال، والسبى بين النساء. يقول ابن خلدون: «بعد واقعة الحرّة افترق هذا الحى من الأنصار وأقفرت منهم يثرب ودرسوا فيمن درس من الأمم.. ولا حول ولا قوة إلا بالله».