بقلم: د. محمود خليل
يخطئ الكثيرون حين يظنون أن دور الأنصار فى الحياة السياسية انتهى بوفاة سعد بن عبادة الخزرجى، الذى ظل يعارض حكم أبى بكر وعمر حتى وفاته، ليواصل ابنه «قيس بن سعد» مسيرته من بعده، بالانحياز إلى الحسن بن على فى معركة الصراع على كرسى الخلافة الذى نشب بينه وبين معاوية بن أبى سفيان. من يقلب صفحات التاريخ يجد أن دور الأنصار فى مقاومة «الخلافة المكية» لم يتوقف، بل تواصل بشكل أكثر حدّة، أخذ شكل الثورة الكاملة على الحكم. ومن يقرأ تفاصيل «ثورة الحِرة» التى قام بها الأنصار ضد «خلافة» يزيد بن معاوية، سوف يدرك أنها كانت محاولة لتقليب أرض السياسة ضد مفهوم «الخلافة العضوض» -أى الوراثى- الذى اتجهت الدولة الإسلامية إليه، مع اعتلاء معاوية بن أبى سفيان عرش الحكم، لكن يبقى أن ثورة «الحِرة» أكدت للأنصار من جديد حقيقة أن أهل مكة كانوا الأقدر على النهوض بأمر الحكم، وأن أمر السياسة ومواهبها يختلف جملة وتفصيلاً عن أمر الدين وقيمه، لذلك لم يفلح أهل المدينة فى هز عرش «الخلافة المكية» حتى بالثورة، لأنهم كانوا «رجال دين» أكثر منهم «رجال دولة»، لكن الخطوة فى حد ذاتها تؤكد لك من جديد أن نظام «الخلافة» لم يحظَ بـ«إجماع الأمة»، كما يذهب البعض.
تقول أحداث التاريخ إنه منذ اجتماع السقيفة وانتقال الأمر إلى أبى بكر ثم عمر، لم يُظهر الأنصار تمرداً ذا بال ضد سلطة الخليفة، وكذلك لم يتورط هذا الرهط من المسلمين فى محاصرة عثمان، انحاز بعضهم فقط إلى «على» فى حربه ضد معاوية بن أبى سفيان، إيماناً منهم بأن «على» يمثل الدين، فى حين يمثل «معاوية» الدنيا، وتاريخهم يشهد على أنهم كانوا يطمئنون إلى أن «علياً» هو الأقدر على سياسة الدنيا طبقاً لقيم وتعاليم الدين. ومن هنا كان انحيازهم له. وقد واصلوا تأييدهم للحسن بن على، بعد استشهاد الخليفة الرابع، كما سبق وذكرنا. ورغم أنهم كانوا بعيدين عن مشهد كربلاء، إلا أن المؤكد أن قلوبهم كانت مع الحسين، ولو أن سيوفهم طالت العراق، لكان من المحتم أن تقاتل دفاعاً عنه. ولا نستطيع أن نعبر بسهولة على اندلاع ثورة «الحِرة» التى قام بها الأنصار عام 62 هجرية، أى بعد ما يقرب من عام على استشهاد الحسين بكربلاء. فقد راعهم ما راع الحسين من غرق الحكم فى الدنيا، خصوصاً بعد أن دخل به معاوية مرحلة الملك العضوض، فورّث الحكم لابنه يزيد.
كان الأنصار يفهمون الفارق جيداً بين الحزب المكى وحزبهم المدنى، منذ تلك الواقعة التى قال لهم فيها رسول الله: «أما يرضيكم أن تذهبوا بالنبى»، بعد الأزمة التى نشبت عند توزيع النبى غنائم غزوة حنين، حين دفع بأغلبها إلى المحدثين من مسلمى الفتح، حتى يتألف قلوبهم، انطلاقاً من نظرته إليهم كأهل دنيا، فى وقت نظر فيه إلى الأنصار كأهل دين رضوا بأن يذهب الناس بالعير ويذهبوا هم برسول الله، صلى الله عليه وسلم. أهل الدين هؤلاء لم يكن لهم أن يقفوا صامتين -شأنهم شأن الحسين- وهم يشاهدون هذا التحول الجلل فى أمر الحكم، بعد دخوله دائرة التوريث على يد معاوية بن أبى سفيان، فكان قرارهم بالانتفاض ضده والثورة على خليفته ووارث حكمه «يزيد» فى واقعة «الحِرة» الشهيرة.