بقلم: د. محمود خليل
آلاف الوفيات وعشرات الألوف ضحايا «كورونا» داخل أوروبا حتى الآن. اختبار «كورونا» أثبت عملياً كيف أن وصف «القارة العجوز» هو الأكثر تعبيراً عن واقع الحال فى أوروبا. فقد ارتجت القارة بشدة أمام زحف فيروس كورونا إليها. الرجة على مستوى الشعوب منطقية وطبيعية، فكل منا يخشى المرض ويخاف الموت، لكن اللافت حالة الاهتزاز التى ظهرت على مستوى المسئولين الرسميين.
فى إنجلترا خرج بوريس جونسون، رئيس الوزراء، فى خطاب مرتبك إلى الرأى العام البريطانى ودعا مواطنيه إلى الاستعداد لفراق أحبتهم، بدا أداؤه شائخاً وأداء حكومته مترهلاً، وهى الحكومة التى خرجت على الناس بنظرية قديمة يتم الاستعانة بها فى مواجهة الفيروس، هى نظرية «مناعة القطيع». وترتكز النظرية على نشر المرض ما بين 60% من سكان بريطانيا، وهى استدعاء لفكرة نيتشوية قديمة ملخصها «البقاء للأقوى». فالأقوى من البريطانيين سوف يقاوم جسمه المرض ويكتسب مناعة طبيعية لا تجعله عرضة للإصابة به مرة ثانية. ذكرنى الحديث البريطانى عن هذه النظرية بأحاديث بعض خبراء الصحة الذين كانوا يدعون الأمهات عند ظهور مرض الحصبة إلى ترك أولادهم يصابون به حتى يكتسبوا مناعة طبيعية!. هذه النظرية قد تكون مجدية فى بعض المواقف، لكن لجوء الحكومة البريطانية إليها ليس مرده قناعة علمية، بل سببه عجز النظام الصحى فى بريطانيا عن استيعاب آلاف المرضى فى حالة انتشار الفيروس نتيجة النقص فى عدد الأطباء وهيئة التمريض والمستلزمات الطبية.
الفيلسوف الألمانى الشهير «نيتشه» لم يكن حاضراً فقط فى مسألة «مناعة القطيع» التى رفعت بريطانيا شعارها، بل ظهر أيضاً فى إيطاليا التى بدأ أطباؤها منذ عدة أيام فى انتقاء الحالات التى يتم علاجها من فيروس كورونا، والتركيز على الحالات القابلة للتعافى وترك غيرها - خصوصاً من كبار السن- لمصيرها ورحمة ربها. والسبب فى ذلك عدم قدرة النظام الطبى هناك على استيعاب الحالات المصابة، بعد أن زاد عددها بصورة ملحوظة أدت من جديد إلى اللجوء إلى الفكرة النيتشوية التى تقول بوطء الضعاف ومنح فرص الحياة للأقوى، إنها الحياة النيتشوية التى لا تسع بين جنباتها إلا الإنسان «السوبر»، والتى ترى فى التخلص من الضعفاء مقدمة لتحسين الحياة وشروطها!. الأمر نفسه ينطبق على النظام الصحى فى فرنسا الذى يعانى كثيراً فى مواجهة «كورونا»، ويوشك على الدخول فى مرحلة عجز عن استيعاب الحالات المصابة الجديدة.
الطريقة المرتبكة التى تعالج بها الكثير من الدول الأوروبية زحف «كورونا» تعد شاهداً على حالة الشيخوخة التى وصلت إليها القارة، فقد كان من المتوقع أن تستوعب أنظمتها السياسية والصحية الموقف أياً كان عدد الإصابات، وأن تتعامل مع الأزمة بمنطق أكثر علمية وبأداء أكثر إنسانية. كان من الممكن استيعاب هذا الأداء الأوروبى الشائخ لو لم نر تجربة الصين، ونشاهد كيف كانت حكومتها تنشئ المستشفيات وتجهزها لاستيعاب عشرات الآلاف من المرضى فى أيام معدودات. كده «الصينى يكسب»!.