توقيت القاهرة المحلي 19:25:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

قتال على «أولوية الإفاضة»

  مصر اليوم -

قتال على «أولوية الإفاضة»

بقلم: د. محمود خليل

لم يكن القتل داخل الحرم، بل وفوق جبل عرفات، مقصوراً على تلك الحادثة الشهيرة التى قصف فيها «الحجاج» البيت الحرام بالمنجنيق، أو ذلك الصراع المرير الذى خاضه بنو أمية من أجل تأكيد سلطانهم، وتأديب الثائرين على حكمهم. فقد تواصلت المحن والفتن طيلة العصور التالية. وكان أشدها وطأة تلك الصراعات التى تزامنت مع حروب صلاح الدين ضد الصليبيين. ففى نفس العام الذى حاصر فيه صلاح الدين مدينة حلب، قامت فتنة «أمير مكة» بين أمير الحاج «طاش تكين» وبين الأمير «مكثر» أمير مكة، قام كثير من الحجيج فيها بنهب مكة وأخذوا من أموال التجار المقيمين بها الشىء الكثير، وأحرقوا دوراً كثيرة. ومن أعجب ما جرى فى هذه الفتنة -كما يحكى «ابن الأثير- أن إنساناً ضرب داراً بقارورة نفط فأحرقها، وكانت لأيتام، فأحرقت ما فيها، ثم أخذ قارورة أخرى ليضرب بها مكاناً آخر، فأتاه حجر فأصاب القارورة فكسرها، فاحترق هو بها، فبقى ثلاثة أيام يُعذب بالحريق ثم مات. ويعنى ذلك أن أول «زجاجة مولوتوف» ألقيت فى تاريخ المسلمين كانت بالقرب من جبل الرحمة بمكة المكرمة.

أما الفتنة الأكبر فجاءت يوم عرفة، من سنة (583 هـ)، حين قتل شمس الدين محمد بن عبدالملك المعروف بابن المقدم بـ«عرفات»، وهو أكبر الأمراء الصلاحية، وسبب قتله أنه لما فتح المسلمون بيت المقدس طلب إذناً من صلاح الدين ليحج ويحرم من القدس، ويجمع فى سنة بين الجهاد والحج وزيارة الخليل (عليه السلام) وما بالشام من مشاهد الأنبياء، وبين زيارة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فأذن له. وكان قد اجتمع تلك السنة من الحجاج بالشام الخلق العظيم من البلاد -كما يحكى «ابن الأثير»- ليجمعوا بين زيارة البيت المقدس ومكة، فجعل ابن المقدم أميراً عليهم فساروا حتى وصلوا إلى عرفات سالمين، ووقفوا فى تلك المشاعر، وأدوا الواجب والسنة. فلما كان عشية عرفة تجهز هو وأصحابه ليسيروا من عرفات، فأرسل إليه أمير الحاج العراقى، وهو مجبر الدين طاش تكين، ينهاه عن الإفاضة من عرفات قبله، فأرسل إليه: إنى ليس لى معك تعلق، أنت أمير الحاج العراقى، وأنا أمير الحاج الشامى، وكل منا يفعل ما يراه ويختاره، وسار ولم يقف، ولم يسمع قوله.

فلما رأى طاش تكين إصراره على مخالفته، ركب فى أصحابه وأجناده، وتبعه من غوغاء الحاج العراقى والعالم الكثير، والجمع الغفير، وقصدوا حاج الشام مهولين عليهم، فلما قربوا منهم خرج الأمر من الضبط، وعجزوا عن تلافيه، فهجم طماعة العراق على حاج الشام وفتكوا فيهم، وقتلوا جماعة ونهبت أموالهم وسبيت جماعة من نسائهم، إلا أنهن رددن عليهم، وجرح ابن المقدم عدة جراحات، وكان يكف أصحابه عن القتال، ولو أذن لهم لانتصف منهم وزاد، لكنه راقب الله تعالى، وحرمة المكان واليوم، فلما أثخن بالجراحات أخذه طاش تكين إلى خيمته، وأنزله عنده ليمرضه ويستدرك الفارط فى حقه، وساروا تلك الليلة من عرفات، فلما كان الغد مات بمنى، ودفن بمقبرة المعلى. هكذا تحولت الرحلة المقدسة إلى رحلة من رحلات الدم، واستحال الجبل المقدس إلى مسرح للقتل لمجرد الاختلاف على أولوية «الإفاضة» من عرفات.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قتال على «أولوية الإفاضة» قتال على «أولوية الإفاضة»



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكيل محمد صلاح يبدأ مفاوضات انتقاله إلى نادٍ سعودي

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt