توقيت القاهرة المحلي 12:36:17 آخر تحديث
  مصر اليوم -

النهر.. والبشر

  مصر اليوم -

النهر والبشر

بقلم: د. محمود خليل

لا نبالغ إذا قلنا إن كتب التراث رسمت صورة أسطورية لنيل مصر، واعتبرته آية من آيات الله فى خلقه. تستطيع أن تستدل على ذلك بسهولة من ذلك الوصف الذى يقدمه صاحب البداية والنهاية لنيل مصر، حيث تقول كلماته: «أما النيل وهو النهر الذى ليس فى أنهار الدنيا له نظير فى خفته ولطافته وبعد مسراه، يفد على ديار مصر وقد تحمل إليها من بلاد الحبشة زيادات أمطارها واجترف من ترابها وهى محتاجة إليهما معاً لأن مطرها قليل لا يكفى زروعها وأشجارها، وتربتها رمال لا تنبت شيئاً حتى يجىء النيل بزيادته وطينه فينبت فيه ما يحتاجون إليه وهى من أحق الأراضى بدخولها فى قوله تعالى: «أَفَلَا يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ».

الاحتفاء الواضح فى كتب التراث بـ«نيل مصر» أصله ما شهده النهر الخالد من أحداث جسام ارتبطت بالذاكرة الدينية للبشر، أبرزها شح الفيضان وما ارتبط به من أحداث فى عصر يوسف الصديق عليه السلام، بالإضافة إلى حضوره بشكل قوى فى قصة نبى الله موسى الذى احتضنه ماء النيل طفلاً، كما أنه كان موضوعاً فى العديد من الحوارات التى دارت بين موسى وفرعون مصر، وكان مسرحاً للصراع بين بنى إسرائيل وأقباط مصر. ومنذ دخول مصر تحت مظلة الإسلام والنيل حاضر بقوة فى حياة المسلمين ككل، بعد أن تحولت مصر إلى سلة غذاء للعالم الإسلامى، واعتمدت عليها نظم الخلافة التى تتالت على المسلمين منذ عمر بن الخطاب وعبر قرون طويلة تالية كمصدر للطعام، إلى الحد الذى يمكن معه القول بأن مصر تحولت بمرور الوقت إلى «مطعم للعالم الإسلامى» بفضل نهرها وخصبها.

عندما ينش النيل، فإن المصرى «ينش». وليس لمن يريد أن يعرف معنى المثل المصرى «قاعد ينش»، سوى أن يعود إلى كتاب موفق الدين عبداللطيف البغدادى «رحلة عبداللطيف البغدادى فى مصر»، ويحكى فيه عما شاهده فى «المحروسة» أواخر القرن السادس الهجرى، زمن الدولة الأيوبية. وقد تعاصرت الرحلة مع تراجع فيضان النيل، حيث «نش» -أى جف- النهر، على حد تعبير «البغدادى»، وساد الغلاء وتفشى الوباء بين المصريين، وسادت المجاعة البلاد والعباد، وقد بلغت حداً من الرعب يفوق أى خيال سينمائى، حكى «البغدادى» بعضاً من مشاهدها البشعة، وقال فى ذلك: «كان الرجل يدعو صديقه وأحب الناس إليه إلى منزله ليضيفه فيذبحه ويأكله، وصلى إمام مسجد الإسكندرية فى يوم على ما يزيد على 700 جنازة».

الوصف الموجع الذى قدمه «البغدادى» وهو يعرض مشاهداته للمجاعة التى ضربت مصر عام 595 من الهجرة، يمنحك مؤشراً إلى أن شح النيل يعد المصدر الأول للأزمات الاقتصادية فى مصر، خصوصاً أن الدولة حينذاك كانت تعتمد اقتصادياً بشكل كامل على الزراعة، لكن من المؤكد أن تخيل ما حدث، وأن يأكل جزء من المصريين لحوم جزء آخر منهم من أجل الحياة، أمر من الصعوبة بمكان.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

النهر والبشر النهر والبشر



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt