بقلم: د. محمود خليل
هاجر النبى -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة المنورة والتفَّ مِن حوله الأنصار وآوَوه ونصروه وسالت دماؤهم فى جميع المعارك التى خاضها ضد عرب الجزيرة. عاش الأنصار فى كنف النبى وهم معروفو الفضل، محفوظو المقام. ولم يكن -صلى الله عليه وسلم- يُخفى حبه لهم وارتباطه الإنسانى الكبير بهم، ويراهم -خلافاً للمكيين- أهل دين وليس أهل دنيا. ظهر ذلك فى أزمة توزيع غنائم غزوة حنين. فقد بالغ النبى فى إجزال العطاء لعرب مكة ومسلمى الفتح (فتح مكة) بصورة أوغرت صدور الأنصار. فقد اختار النبى مجموعة من رؤوس القبائل وبطونها ليعطيهم مما أفاء الله عليه يوم «حنين»، فمنح أبا سفيان وعيينة بن حصن وصفوان بن أمية بن خلف وغيرهم، ممن كان المهاجرون والأنصار يشك فى إيمانهم، بل ومنهم من كان بالفعل مشركاً، مثل صفوان بن أمية الذى شارك فى حنين وهو مشرك. غضب الأنصار كان مرده ثباتهم فى «حنين» حين فر الآخرون، وبلاءهم الحسن فيها حتى كتب الله النصر للمسلمين، ولم يستوعبوا فكر النبى ورؤيته وأنه يفعل ما يفعل بتكليف من السماء. لم يكن محمد ممن يشترون الولاء الدينى بالمال، لكنه كان يعلم أن فى قلوب «المؤلفة» ضعفاً، وكان أغلبهم حديث عهد بالإيمان، فأدارهم فى ضوء وعيه بتركيبتهم الإيمانية الهشة. وهناك من القلوب ما يروضها المال أكثر مما يهذبها الإيمان. المسألة كان لها وجه سياسى أيده القرآن الكريم حين فرض للمؤلفة قلوبهم سهماً فى الصدقات.
تفجرت الأزمة وطفت على السطح حين مشى سعد بن عبادة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما يحكى «ابن كثير»- فقال: يا رسول الله إن هذا الحى من الأنصار قد وجدوا عليك فى أنفسهم فقال: فيم؟. قال: فيما كان من قسمك هذه الغنائم فى قومك وفى سائر العرب ولم يكن فيهم من ذلك شىء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأين أنت من ذلك يا سعد؟. قال: ما أنا إلا امرؤ من قومى. وصل الأمر بالأنصار إلى حد الوجد على النبى، بل وصل هذا الإحساس إلى كبيرهم سعد بن عبادة الذى توقع منه النبى أن يفهم فعله، لكن انحيازه إلى قومه ألهاه عن ذلك.
قرر النبى أن يشرح للأنصار البعد السياسى لعملية «تأليف القلوب» والحكمة من ورائها، فطلب من سعد بن عبادة -كبير الأنصار- أن يجمع له قومه، ومُنع كل المهاجرين من حضور هذا الاجتماع. فلما اكتمل جمع الأنصار دخل سعد على النبى وقال له: «يا رسول الله قد اجتمع لك هذا الحى من الأنصار حيث أمرتنى أن أجمعهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فيهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: يا معشر الأنصار ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله وعالة فأغناكم الله وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟. قالوا: بلى. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟. قالوا: وما نقول يا رسول الله وبماذا نجيبك؟ المنّ لله ولرسوله. قال: والله لو شئتم لقُلتم فصدقتم وصدقتم، جِئتنا طريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك، وخائفاً فأمناك، ومخذولاً فنصرناك. فقالوا: المن لله ولرسوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوجدتم فى نفوسكم يا معشر الأنصار فى لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً أسلموا ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام؟. أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟. فوالذى نفسى بيده لو أن الناس سلكوا شِعباً وسلكت الأنصار شِعباً لسلكتُ شعب الأنصار ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار. اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار. فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا بالله ربا ورسوله قسماً، ثم انصرف وتفرقوا».
كان النبى -صلى الله عليه وسلم- يعلم أن الأنصار أهل دين وأن عليهم ألا يأسوا على «غبن الدنيا».