توقيت القاهرة المحلي 19:25:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

نداء الرحمة

  مصر اليوم -

نداء الرحمة

بقلم: د. محمود خليل

عاش آدم على الأرض مؤرقاً بالحنين إلى الراحة، كل لحظة شقاء، أو انكسار أو انهزام تذكره بذاك الحنين، وذلك الشوق الذى لا ينقضى بالعودة إلى هناك، حيث الحياة المتدفقة السلسة الممتعة. ولست أجد أكثر عبقرية من الوصف الذى قدمه المبدع الكبير نجيب محفوظ، وهو يحكى قصة أدهم، ضمن حكايات «أولاد حارتنا» التى خضنا معها رحلة سوف نستأنفها فيما بعد إن شاء الله. يقول «نجيب»: كان أدهم يقول لنفسه وهو يعيش فى حديقة البيت الكبير «الحديقة وسكانها المغردون والماء والسماء ونفسى النشوى، هذه هى الحياة الحقة». ولما طرده «الجبلاوى» من البيت الكبير، وتركه فى العراء وتحول إلى «بائع خيار» كى يعيش، حدث ذات يوم أن نعس من التعب أسفل شجرة، بعد أن تشققت قدماه من السير وهو يجر العربة، فانتهز مجموعة من الأطفال فرصة نومه، وقلبوا له العربة، فاستيقظ من نومه مفزوعاً وهو يسب ويلعن، ثم انكب على الأرض يجمع البضاعة، وراح يقول بتأثر وانفعال مخاطباً «الجبلاوى»: «لماذا كان غضبك كالنار تحرق بلا رحمة؟ لماذا كان كبرياؤك أحب إليك من لحمك ودمك؟ وكيف تنعم بالحياة الرغيدة وأنت تعلم أننا نداس بالأقدام كالحشرات؟ والعفو واللين والتسامح ما شأنها فى بيتك الكبير أيها الجبار؟».

أطار الشقاء عقل آدم الأب، كما يطير عقل كل الأوادم، لكنه تعلم فى كل الأحوال أن ينتظر تلك اللحظة التى تدركه فيها رحمة الله. وكما كان «لقاء الرحمة» فوق صخور «عرفات»، كان «نداء الرحمة» لآدم (عليه السلام) فوق هذا الجبل أيضاً. يحكى «ابن الأثير» أنه لما أتم آدم بناء الكعبة المشرفة من أحجار خمسة جبال وطاف بها، جاءه نداء العودة من خالقه: «أسس آدم البيت من خمسة أجبل: من طور سينا، وطور زيتون، ولبنان، والجودى، وبنى قواعده من حراء، فلما فرغ من بنائه، خرج به الملك إلى عرفات فأراه المناسك التى يفعلها الناس اليوم، ثم قدم به مكّة فطاف بالبيت أسبوعاً، ثم رجع إلى الهند فمات على نود».

شاء الله تعالى أن يكون «عرفات» مسرحاً للقاء الرحمة الخالد بين آدم وحواء، لكن بنى آدم كان لهم رأى آخر فى المسألة، فلم يتورع بعضهم عن تحويل الجبل المقدس إلى ساحة اقتتال، تراق فيها الدماء، وتنتهك فيها كل المحرمات، ناسين الوصية الخالدة التى جلجل بها النبى فى «حجة الوداع» وهو يعظ المسلمين بحرمة الدم. لم يتورع «الحجاج بن يوسف الثقفى» على سبيل المثال عن قصف الحرم بالمنجنيق، خلال صراعه العسكرى مع عبدالله بن الزبير، إلى حد دفع ابن عمر (رضى الله عنهما) إلى مخاطبة الحجاج فى رسالة شهيرة قائلاً: «اتق الله واكفف هذه الحجارة عن الناس فإنك فى شهر حرام وبلد حرام، وقد قدمت وفود الله من أقطار الأرض ليؤدوا فريضة الله ويزدادوا خيراً، وإن المنجنيق قد منعهم عن الطواف، فاكفف عن الرمى حتى يقضوا ما يجب عليهم بمكة. فبطل الرمى حتى عاد الناس من عرفات وطافوا وسعوا، ولم يمنع ابن الزبير الحجاج من الطواف والسعى، فلما فرغوا من طواف الزيارة نادى منادى الحجاج: انصرفوا إلى بلادكم فإنا نعود بالحجارة على ابن الزبير الملحد»!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نداء الرحمة نداء الرحمة



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكيل محمد صلاح يبدأ مفاوضات انتقاله إلى نادٍ سعودي

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt