بقلم: د. محمود خليل
خلال الأيام الأخيرة استمعت إلى حديث تليفزيونى للدكتور يوسف زيدان أفتى فيه بأنه لا صيام ولا جماع وقت الوباء، مشيراً بذلك إلى إباحة الإفطار خلال الشهر الفضيل ما دامت سحابات كورونا تتكاثف فى سماء الديار المصرية أو غيرها من بلاد المسلمين. بعده بعدة أيام خرج الدكتور سعد الدين هلالى بفتوى قال فيها إن الخوف من كورونا يبيح الإفطار فى رمضان، متعللاً بأن «الخوف» مرض نفسى يصح أن يفطر المبتلى به، مثله مثل أى مرض «عضوى» يحق لصاحبه الإفطار.
لعلك تعلم أن كلاً من «زيدان» و«هلالى» له باعه فى مجاله. فالأول أديب مرموق وأستاذ فلسفة معروف، والثانى أستاذ فقه مقارن بجامعة الأزهر. ويتشارك الاثنان فى النجومية التليفزيونية التى حظيا بها خلال الفترة الأخيرة. لكن ذلك أمر، والترخص فى مسألة «إفطار رمضان» أمر آخر. ومع كامل احترامى لرأى الاثنين، فإننى أتبنى رأياً ثالثاً، مداره ما تعلمناه زمان من أن إفطار المريض فى رمضان أساسه فتوى يصدرها «طبيب». الدكتور يوسف زيدان رجل أدب وفلسفة، وله آراء عديدة لامعة فى المسائل المتصلة بالفكر الدينى وقضايا الدين والمجتمع وغير ذلك، لكن ذلك مبحث وأمر الفتوى فى الدين، خصوصاً عندما يتصل بركن من أركان الإسلام، مبحث آخر. كما أنه ليس طبيباً يمتلك العلم والخبرة التخصصية التى تمكنه من إصدار مثل هذه الفتوى. أما الدكتور سعد الدين هلالى فشأنه مختلف، فهو رجل متخصص فى الفقه، وينبغى أن نسمع له ولغيره من المتخصصين فى أمور الدين، لكن هذا أمر ومسألة تقرير أن أمراضاً معينة ترخص لصاحبها الإفطار أمر آخر، لأنه هو الآخر ليس طبيباً يستطيع أن يقدر خطورة صيام صاحب مرض معين على صحته أو حياته. الطبيب فقط هو من يقدر ذلك، وليس غيره، وحسابه على الله.
مسألة إفطار المريض واضحة ولا تحتاج إلى شرح أو استدلال. فالآية الكريمة التى تقول «فمَن كان منكم مريضاً أو على سَفَر فَعِدَّةٌ مِن أيامٍ أُخر» قطعية الدلالة على إفطار المريض والمسافر، وهى أيضاً تؤكد أن الأمر لا ينتهى عند إباحة الإفطار فى رمضان، لأن المريض الذى استرد عافيته مُطالب بقضاء ما عليه من أيام أفطرها فى رمضان (بعد ترخيص الطبيب المعالج)، والأمر نفسه ينطبق على المسافر، وحتى لو كان المرض نفسياً ويبيح الإفطار كما ذهب الدكتور سعد الدين هلالى فإن من يفتى بالإفطار فى هذه الحالة هو الطبيب النفسى المتخصص وليس غيره. والمسألة فى كل الأحوال لا تُترك لاجتهاد الفرد نفسه أو تقدير خطورة مرضه العضوى أو النفسى.
كثيراً ما نرفض أن يتصدى بعض شباب الجماعات الدينية أو كهولها لمسألة الفتوى فى الدين والحكم على مسائل عبادية أو عقائدية تتصل بالفرد أو المجتمع، دون أن يكون لهم سابقة علم تمكنهم من الفتوى، ونقول لهم إن احترام التخصص واجب، وإن المسلم عليه أن يرد الأسئلة إلى من يملك الجواب عنها. يقول الله تعالى: «فاسألْ بهِ خبيراً» ويقول «ولا يُنبِّئُكَ مِثلُ خبير». والخبير المسئول عن الترخيص بالإفطار للمريض هو الطبيب وليس غيره.