بقلم: د. محمود خليل
اتهامات متنوعة وجَّهها الإعلام الأمريكى إلى الرئيس دونالد ترامب بتجاهل تحذيرات وكالة الاستخبارات الأمريكية حول إمكانية تفشى فيروس كورونا فى الولايات المتحدة الأمريكية. التقارير التحذيرية وصلت إلى الرئيس خلال شهر يناير من العام الحالى حين بدأ الوباء فى الظهور فى الصين، لكنه لم يكترث، بل وسخر من المحتوى الذى تحمله. أعضاء من الكونجرس وصلهم أيضاً نفس التحذيرات، لكنهم حذوا حذو الرئيس فتجاهلوها وقللوا من قيمتها. من الوارد أن تكون تقارير شبيهة قد وصلت إلى المسئولين فى دول أوروبية متعددة وتم تجاهلها أيضاً، حتى وقعت الواقعة وبدأ المرض فى التفشى، هنالك خرج بعض قادة الغرب يدعون شعوبهم إلى وداع الأحباء، فى حين اعتمد «ترامب» خطاباً يمزج ما بين الوعظ والتبكيت، فدعا فى البداية الشعب الأمريكى إلى الصلاة من أجل رفع غضب السماء وكشف البلاء، ثم انتقل بعد ذلك إلى تبكيت المواطن الذى يتعامل باستخفاف ولا مبالاة مع الفيروس، وعما قريب من الوارد أن يحمل الأمريكيين المسئولية كاملة عن انتشار الفيروس. أما هو فبراءة.
فيروس كورونا كشف جانباً مهماً من الطريقة التى يفكر بها المسئولون فى الغرب (وطبعاً فى الشرق). فأغلبهم يؤدى كما تؤدى النعامة حال مواجهة خطر أو تهديد، حين تدفس رأسها فى الرمل، ثم تدخل فى حالة طمأنينة كاملة انطلاقاً من أنها لم تعد ترى الخطر، رغم أنه يحيط بها من كل اتجاه. يظن بعض المسئولين أنهم أكبر من أن يتحركوا ويبنوا قراراتهم على تقارير تقدمها لهم أجهزة، ويرون أنهم أكبر من أى مؤسسة، وأن بإمكانهم إدراك الحقيقة بعيداً عنها. فهم أصحاب الفكر الثاقب ونفاذ البصيرة والحكمة المقطرة. ويتواصل الأداء على هذا النحو إلى أن يغطى الخطر على ما عداه ويحتل مجال الرؤية كاملاً فتكون النتيجة الاعتراف به. هنالك يلجأ المسئول إلى ثنائية «الوعظ والتبكيت» إلى أن تنكشف الغمة.
أغلب حكام العالم تعاملوا بالتجاهل مع الفيروس حين ظهوره. فى الصين طاردت السلطات الطبيب الذى اكتشف الفيروس، قبل أن يستفحل أمره، حتى قبضت عليه، بعدها أصيب المسكين بالمرض وقضى نحبه فيه، وفى أمريكا -أكبر قوة غربية- تم تجاهل التقارير المبكرة التى دعت إلى اتخاذ إجراءات احترازية تحسباً لتفشِّى الفيروس، وفى أوروبا تم التعامل مع الفيروس -رسمياً وشعبياً- فى بدايات ظهوره بقدر من الاستخفاف، ثم انخرط كبار زعماء القارة بعدها فى لطمية مبكرة على الأحباء المحتمل فقدهم فى الصراع مع فيروس كورونا.
«كورونا» كشف تراجع الأداء داخل أعتى الدول المتقدمة، ومنح مؤشرات متعددة قد تدفع الشعوب إلى مراجعة ما يمكن أن نطلق عليه «الخيار الشعبوى» عند انتخاب المسئولين. فالأداء الشعبوى جيد ولافت على مستوى طرح الشعارات ومغازلة «ودان» المستمعين، لكنه قد يتسبب فى كوارث نتيجة إحساس «القيادة الشعبوية» بأنها تفهم فى كل شىء وتعرف فى كل شىء وقادرة على اتخاذ القرارات الملهمة بعيداً عن معونة أى من مؤسسات الدولة. قريباً سيستيقظ العالم على الوهم الذى عاشه حين سلَّم نفسه لـ«السادة المزيفين».