توقيت القاهرة المحلي 23:53:47 آخر تحديث
  مصر اليوم -

آباؤنا فوق أكتافنا

  مصر اليوم -

آباؤنا فوق أكتافنا

بقلم: د. محمود خليل

دائماً ما يخرج أبى من بين سطور الحكاية. فى كل موقف يشخص ذلك الرجل المهيب فى شبابه العفى أو فى شيخوخته المهيبة، وتطل صورته ليقول لك افعل أو لا تفعل. الصغير الذى يخطو خطواته الأولى فى الحياة ويتلمس بحواسه العالم الذى دلف تواً إليه يرى أباه فى صورة «عملاق» يبدو أمامه الابن قزماً يتوق إلى حمايته وعطفه بنفس الدرجة التى يرتعد فيها خوفاً من غضبه وسطوته. تخطر السنون بالإنسان فتستوى ملامح المراهقة على عود الفتى أو الفتاة، ثم يتبختر فى سنوات الشباب، وتنتأ عليه نفسه ويبدأ فى الشعور بذاته، وقد يدفعه غرور العافية إلى تحدى العملاق الذى كانت ترتعد فرائصه منه بالأمس، قد يقهر الأب حركة التمرد تلك، وقد يحتويها، مقدراً أنه مر بهذه اللوثة فى حقبة معينة. ولا يستفيق الابن من لوثته إلا بعدما يصبح أباً. حينها ينظر إلى هذا الشيخ الجليل الذى أكلت الحياة صحته، واشتعل رأسه بالشيب، ونخرت عظامه، وكأنه أقوى البشر. فضعف المشيب قوة.. وقوة الشباب غرور. لحظتها يعلم الابن أن قهر الأب حنان، وغضبته عطف، وسطوته حماية، ونصائحه حكمة.

يظن الكثيرون أن الأبناء يذكرون أمهاتهم أكثر مما يذكرون آباءهم. وهو ظن أجده فى غير محله. فالأب حاضر حين يكون موجوداً، وحاضر أيضاً حين يغيب. لا أنسى عبارة نحتها المبدع فتحى غانم فى رواية «زينب والعرش»، يقول فيها عبدالهادى النجار: «نحن نسير وآباؤنا فوق أكتافنا». نحن فعلاً كذلك. فالبنت التى أصبحت زوجة تسترجع الأب وهى تراقب حركات وسكنات زوجها. والابن الذى أصبح زوجاً يراجع أداءه اليومى على مرآة أبيه. كل يوم يوضع رجل أمام مرآة أب، أو يقف ابن أمام مرآة أبيه. أذكر أننى فعلت ذلك كثيراً، بل قل فى كل لحظة أفعله.

ما أكثر ما أردد ما بينى وبين نفسى عبارة «كان أبى يفعل». وما أسرع ما أقف أمام مرآته وأقيس ما أفعله إلى ما كان يفعل. كان أبى، رحمه الله، قوياً حين يريد، وصبوراً حين يتعب، وعطوفاً حين يرق، وصدوقاً ولو كذب كل الناس من حوله، وقنوعاً ولو بشق تمرة. لم تُهزم رجولته أمام حاجة يبتغيها، أو منفعة يطمع فيها. عاش الحياة يزين رأسه «تاج الرضا». وما أكثر ما كان يردد «الرضا بالمقسوم عبادة». أذكر أننى لم أبك عليه لحظة وفاته، لكننى بكيت كثيراً فى لحظة شعرت فيها بعجزه كإنسان لم أره ضعيفاً أبداً، وبكيت أكثر فى لحظة عجزت فيها عن حمل نعشه فوق أكتافى.

أبى وأنت الآن فى عالم أفضل.. ابنك أصبح كهلاً يخطو إلى الستين من عمره، لكنه لم يزل بحاجة إلى يدك التى تحنو، ونصيحتك التى تغنى، ودعوتك التى تفتح الأبواب الموصدة، لم يزل بحاجة إلى الإحساس بالأمان الذى كنت تظلله به. اعلم يا أبى وأنت بين يدى رحمن رحيم أننى أذكرك فى كل لحظة، وأود من كنت تود، وأحب من كنت تحب، وأترحم على نفسك الزكية وروحك الطاهرة فى كل لحظة.. فلترقد فى سلام.. ولتهنأ برحمة ربك وعفوه ومغفرته فى عالم الحقيقة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

آباؤنا فوق أكتافنا آباؤنا فوق أكتافنا



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكيل محمد صلاح يبدأ مفاوضات انتقاله إلى نادٍ سعودي

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt