بقلم: د. محمود خليل
رغم عمق تدينهم إلا أن هاجس الاطمئنان على المستقبل سيطر على الأنصار حين اشتد المرض برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصبح قاب قوسين أو أدنى من صعود روحه الشريفة إلى بارئها. يروى صاحب السيرة الحلبية أن «الأنصار لما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يزداد وجعاً طافوا بالمسجد وأشفقوا من موته، فدخل عليه الفضل رضى الله تعالى عنه فأخبره بذلك، ثم دخل عليه علىٌّ كرم الله وجهه فأخبره بذلك، ثم دخل عليه العباس رضى الله تعالى عنه فأخبره بذلك، فخرج النبى صلى الله عليه وسلم متوكئاً على علىٍّ والفضل، والعباس أمامه، وهو معصوب الرأس، يخط برجليه حتى جلس على أسفل مرقاة من المنبر، وثار الناس إليه فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس، بلغنى أنكم تخافون من موت نبيكم، هل خلد نبى قبلى فيمن بُعث إليه فأخلد فيكم؟ ألا وإنى لاحق بربى وإنكم لاحقون به، فأوصيكم بالمهاجرين الأوّلين خيراً وأوصى المهاجرين فيما بينهم بخير، وأوصيكم بالأنصار خيراً، فإنهم الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلكم أن تحسنوا إليهم، ألم يشاطروكم فى الثمار؟ ألم يوسعوا لكم فى الديار؟ ألم يؤثروكم على أنفسهم؟ ألا ولا تستأثروا عليهم».
وأخطر ما يحكيه صاحب السيرة الحلبية فى النص السابق هو تحذير النبى المهاجرين من الاستئثار بالأمر دون الأنصار، وأن لهذا الفريق حقوقاً فى قيادة الأمة لا تقل عن حقوق المهاجرين، وعدّد النبى صلى الله عليه وسلم من أدوار الأنصار ما يمنحهم الحق فى ذلك ويحول دون غبنهم أو تهميشهم. ورغم الوصية النبوية التى لا تحتمل التأويل أصر المهاجرون على غبن الأنصار وحرمانهم من أى دور فى قيادة الدولة الناشئة بعد وفاة النبى، حتى الحل الوسط الذى طُرح فى اجتماع السقيفة بأن يكون الأمراء من المهاجرين والوزراء من الأنصار تم رفضه، وتصدّر عمر بن الخطاب الفريق الرافض وردد قولته الشهيرة «سيفان فى غمد لا يجتمعان». وحسم مبدأ «العصبية القرشية» الجدل بين المهاجرين والأنصار عندما ردد أبوبكر قولته الشهيرة: «إن العرب لن تخضع إلا لهذا الحى من قريش».
وضعت هذه الجملة أساساً للحكم ولإدارة الدولة كما فهمها «الصديق»، يتمثل فى العصبية القبلية. من الناحية السياسية (وليس الدينية بالطبع) لم يكن فى الأمر ظلم للأنصار، وكان موقف عمر بن الخطاب فى حوارات السقيفة مبرراً حين أبى أن يكون الأمر قسمة بين المهاجرين والأنصار، فيكون الأمراء من المهاجرين والوزراء من الأنصار، لأنه كان واعياً بمسألة العصبية القرشية وأنها العامل الأقدر على إخضاع العرب. وقد بان هذا الأمر بصورة جلية فى حروب الردة عندما تمكنت قريش -بعد عنت- من إخضاع القبائل العربية الأخرى التى تمردت على السلطة القرشية داخل كل من مكة والمدينة. لم يأتِ انتصار أبى بكر لفكرة «العصبية القرشية» كأساس لتحديد من يحكم بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم من فراغ، بل استند إلى وعى كامل بخصوصية هذه القبيلة وموقعها على الخريطة القبلية لجزيرة العرب. إنها القبيلة التى سُميت سورة فى القرآن الكريم باسمها وهى سورة «قريش».