بقلم: د. محمود خليل
أغلب من تعرض لهم النبى من أهل يثرب خلال الفترة التى كان يعرض نفسه فيها على القبائل والوافدين إلى مكة كانوا من قبيلة الأوس التى كان رجالها نشطين فى البحث عن حلفاء لهم فى مواجهة قبيلة الخزرج. فكل من سويد بن صامت وإياس بن معاذ كان من الأوس، والموقف الحاد الذى اتخذه «الحيسر»، رئيس وفد الأوس الذى جاء للتحالف مع قريش من «إياس بن معاذ» عندما امتدح قول النبى، يدلل على وعى أهل يثرب بموقف قريش من النبى صلى الله عليه وسلم وعدائها المستطير له، ورغبتهم العميقة فى عدم إغضاب سادات مكة وهم يمهدون للتحالف معهم. نشاط الأوس فى البحث عن حلفاء كان مرده استجابة يهود بنى قريظة وبنى النضير لتهديدات الخزرج بالتراجع عما دارت به الألسنة قبل معركة «يوم بعاث» من أنهم يزمعون التحالف مع الأوس ضد الخزرج، وعقب هذا التهديد تخلى اليهود عن الأوس، فقرر رؤوس القبيلة التحرك إلى مكة والبحث عن تحالف مع قريش، خصوصاً أن اليهود قدموا 40 من غلمانهم كرهائن إلى الخزرج تتم تصفيتهم لو لم تلتزم اليهود بعهدها معهم.
تحوُّل مهم وقع فى يثرب بعد عودة وفد «الحيسر» الأوسى خالى اليدين من أى تحالف مع قريش، تمثل فى مقتل الرهائن الأربعين من غلمان اليهود، فقد حدث أن طمع عمرو بن النعمان -أحد قيادات الخزرج- فى أرض ونخيل اليهود فقايضهم على ديارهم وزرعهم بالرهائن، وكاد اليهود يخضعون له لولا نصيحة صرخ بها أحدهم ونبههم فيها إلى أن كلهم قادر على تعويض الغلمان بآخرين جدد ينجبهم، فى حين أن الأرض والزرع غير قابلين للتعويض. استجاب بنو قريظة وبنو النضير للنصيحة وعاندوا الخزرج، فما كان من «ابن النعمان» إلا أن قتل الرهائن، فتحول موقف اليهود وأعلنوا التحالف مع الأوس فى حربهم ضد الخزرج، وكان يوم بعاث.
سُميت الحرب الكبرى التى وقعت بين الأوس والخزرج قبل بضع سنوات من هجرة النبى إلى المدينة بيوم بعاث نسبةً إلى المكان الذى وقعت فيه: «بعاث»، وكان يقع ضمن الحزام الجغرافى الذى يسيطر عليه اليهود. تفوق الخزرج على الأوس فى بداية الحرب تفوقاً ملحوظاً وحصدوا من أرواحهم الكثير، لكن سرعان ما انقلب المشهد وركب الأوس المعركة وأعملوا السيوف فى رقاب الخزرج حتى قتلوا قائدهم فى الحرب «عمرو بن النعمان». وكان أكثر من تشفى فى قتله عبدالله بن أُبى بن سلول (أحد كبار زعماء الخزرج)، لأنه لم يستجِب له حين نهاه عن قتل غلمان اليهود واتهمه بالبغى والعدوان.
يلخص «ابن كثير» النتيجة التى تمخض عنها يوم بعاث فى وضع المقدمة الكبرى والأهم التى مهدت لهجرة النبى إلى يثرب ودخول أهلها تحت راية الإسلام بعد أن أهلكت واقعة «بعاث» سادات وأشراف وقادة الأوس والخزرج. واستدل على ذلك بحديث «البخارى» فى صحيحه عن عبيد بن إسماعيل عن أبى أمامة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: «كان يوم بعاث يوماً قدمه الله لرسوله. قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقد افترق ملاؤهم وقتل سراتهم». وعلى مستوى يثرب نفسها كان من نتائج الحرب اتفاق أهلها على حقن دماء بعضهم البعض بعد أن أهلكتهم الحرب الأهلية، وأن يولوا أمرهم -أوساً وخزرجاً- عبدالله بن أُبى بن سلول الخزرجى، لكن يبدو أن هذا الأمر لم يعجب الأوس فجرى ماء جديد فى نهر المدينة.