بقلم: د. محمود خليل
أيام موضوع إنفلونزا الطيور وإنفلونزا الخنازير كان البسطاء من المخالطين للطير والخنازير هم الضحايا. لعلك تذكر أن أكثر الإجراءات التى اتُّخذت مع ظهور إنفلونزا الطيور توجهت إلى ربات البيوت بعشوائيات وقرى الريف المصرى وإلى من يعملون فى مزارع الدواجن وغيرهم، وأغلب هؤلاء كانوا من الفقراء الباحثين عن رزق أو لقمة عيش، والأمر نفسه ينطبق على الإجراءات التى ارتبطت بظهور إنفلونزا الخنازير. لم نسمع أيام إنفلونزا الطيور أو الخنازير عن إصابة مسئول كبير أو رجل أعمال وخلافه، لكن الأمر يبدو مختلفاً بالنسبة لفيروس كورونا.
مسئولون كبار داخل دولة إيران أصيبوا بالفيروس، سواء على المستوى التنفيذى أو التشريعى. كان هناك اشتباه فى إصابة رئيس البرازيل بالفيروس، ثبتت سلبيته بالتحليل، والأمر نفسه ينطبق على الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، حيث أثبت التحليل سلبيته، وزير الاتصالات البرازيلى أصيب رسمياً بالفيروس، وقد سبق والتقى بإيفانكا ترامب مما وضعها فى دائرة الاشتباه هى الأخرى. كلام كثير يتردد فى هذا السياق. تشير الإصابات أيضاً إلى أن من تقتضى ظروف عملهم السفر المستمر -مثل رجال الأعمال- إلى احتمالات إصابتهم بالفيروس أكثر من غيرهم، كذلك المخالطون لأجانب أكثر عرضة، وقد صرح وزير التربية والتعليم الدكتور طارق شوقى بأن الإصابات المحدودة بين طلاب بعض المدارس فى مصر نتجت عن الاختلاط بأجانب.
كورونا ببساطة هو فيروس العولمة. الشبح القاتل القادر على التسرب عبر الحدود دون أن يتمكن أحد من اكتشافه بسهولة أو منعه من الدخول عندما يطرق أبواب دولة معينة. العولمة فكرة قامت على تذويب الحدود الفاصلة اقتصادياً وثقافياً وإعلامياً بين دول العالم المختلفة، والفيروس جزء من هذه الفكرة، وهو لا يضرب فقط على مستوى القاعدة فيوجه سهامه إلى الفقراء كما تعمل آليات العولمة، بل يركز فى الأغلب على قمة النظام العولمى ومراكزه الأساسية، فى أوروبا والصين والولايات المتحدة الأمريكية.
فى عام 1999 تشكلت حركة أطلقت على نفسها «ضد العولمة» انضم تحت لوائها العديد من المنظمات غير الحكومية والجمعيات والأفراد، واجتمعت على نقد النظام الرأسمالى العالمى. وكان أول ظهور لها فى مؤتمر سياتل بمناسبة المؤتمر الاقتصادى لأقوى 8 دول فى العالم. لعلك تابعت دعوة الرئيس الفرنسى ماكرون إلى عقد قمة طارئة للدول السبع الكبرى عبر الفيديو كونفرانس للتنسيق فى مواجهة فيروس كورونا. وتضم كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية (وهى غير مجموعة الثمانية التى يضاف إليها روسيا). والتنسيق بين هذه الدول لا ينصرف إلى مواجهة الفيروس وفقط، بل أيضاً إلى الاتفاق على آلية للتعامل مع تداعياته الكبيرة على الاقتصاد العولمى.
الضربة الأكبر التى تمكن فيروس كورونا من توجيهها تركزت فى قلب الاقتصاد العولمى. فقد أصاب الأسواق العالمية فى مقتل، وتوقفت حركة التجارة العولمية بين دول العالم، وتراجعت المبيعات، وانهارت البورصات العالمية، وهبطت أسعار البترول فى بئر عميقة، وأصبح العالم على شفا أزمة اقتصادية يقول بعض الخبراء إنها ستكون أشبه بالأزمة الاقتصادية العالمية عام 1929، وما ترافق معها من كساد وركود. إنه «فيروس العولمة» بامتياز.