بقلم: د. محمود خليل
فى لبنان ارتفعت معدلات جرائم السرقة خلال الأشهر المنصرمة من العام الحالى. سرقة مطاعم وسرقة سيارات وغيرها. كاميرات المراقبة أصبحت لا تسمن ولا تغنى من جوع. الشرطة هناك تحاول قدر جهدها محاصرة السرقة التى تنتشر انتشار النار فى الهشيم، لكن دون جدوى حقيقية. ويبدو أن «قانون كورونا» أصبح يحكم الحياة منذ أوائل هذا العام، كما كان يحكمها من قبل. وأعنى به قانون «الانتشار السريع الذى يؤدى إلى العجز». فكما حدث وانتشر فيروس كورونا فى العديد من الدول وزادت أعداده بصورة فاقت قدرة الأنظمة الصحية على التحمل فانهارت، فإن معدلات السرقة فى لبنان زادت بشكل أعجز النظام الشرطى عن السيطرة.
المواطن اللبنانى يعانى أوضاعاً مأساوية. فما بين انهيار لعملة الليرة أمام الدولار، بصورة غير مسبوقة، وعجز النظام المصرفى عن تدبير الدولار لتمويل احتياجات الدولة، وحالة الاضطراب السياسى التى ضربت القطر الشقيق، يعيش اللبنانيون مأساة حقيقية. وهى مأساة تجد جذورها فى «الفساد الاقتصادى والسياسى».
لبنان -شأنه شأن بعض الدول العربية- يخضع لمعادلة الفساد المزدوج «الاقتصادى/ السياسى». فساد الاقتصاد يؤدى إلى فساد السياسة والعكس. منذ سنوات طويلة انتشرت الرشوة فى لبنان انتشار كورونا فى أجساد البشر، وأصبح «دفع المعلوم» للموظفين فى الحكومة والمسئولين فى القطاعين العام والخاص الوسيلة الأهم فى إنجاز وإنفاذ المصالح وإبرام الصفقات، وأصبح المال العام مستباحاً دون رقيب أو حسيب، وإذا أضفت إلى ذلك التعيين فى الوظائف تبعاً للوساطات والمحسوبيات (عقب الانتخابات الأخيرة أدخلت القوى السياسية 5 آلاف موظف جديد إلى مؤسسات رسمية) فلك أن تتصور حالة «الخراب المستعجل» التى دخل فيها لبنان.
تيار الفساد فى لبنان بدأ صغيراً متردداً، تنمو معدلاته ببطء وبمتوالية حسابية، ثم تضاعفت معدلاته بعنف فى مدد أقصر، حتى تغلغل فى كل ركن من أركان الاقتصاد والسياسة (تماماً مثل فيروس كورونا). منذ بضعة أيام أعلن رئيس الوزراء اللبنانى الجديد حسان دياب أنه أعطى إشارة خضراء للمؤسسات الرقابية لتبدأ الحرب على الفساد. نتمنى له النجاح، لكن المهمة صعبة والتحديات كبيرة، فالفساد يسكن كل ركن من أركان الحكومة، والمواطن العاجز فى اللحظة الحالية عن توفير احتياجاته أو حماية نفسه لم يجد سبيلاً أمامه سوى التظاهر فى الشارع، مما زاد الموقف تأزماً.
قانون كورونا يحكم ويفسر لك كيف تنتشر الظواهر فى المجتمعات، وكيف يتم ذلك بشكل بطىء فى البدايات، ثم يأخذ الإيقاع فى التسارع حتى يصل إلى حالة التفشى العام، وتغدو كل الأنظمة عاجزة عن المواجهة. قانون كورونا اكتشفه -دون أن يدرى- خادم آخر خليفة أموى «مروان بن محمد». يحكى «ابن كثير» فى كتاب «البداية والنهاية» أن «مروان الحمار» جلس يوماً وقد أحيط به وعلى رأسه خادم له قائم، فقال يخاطبه: ألا ترى ما نحن فيه؟، فقال له الخادم: «يا أمير المؤمنين من ترك القليل حتى يكثر، والصغير حتى يكبر، والخفى حتى يظهر، وأخّر فعل اليوم لغد، حلّ به أكثر من هذا».