بقلم: د. محمود خليل
رغم نشأتها بإيعاز من المستعمر الإنجليزى، فإن الآمال ظلت معقودة عليها فى أن تصبح آلية مشتركة للدفاع عن حقوق العرب وحماية أراضيهم من القوميات الأخرى المتربصة بهم، وتحقيق التكامل فيما بينهم. 75 عاماً كاملة مرت على نشأة جامعة الدول العربية (عام 1945)، اختلفت فيها ظروف وتقلّبت فيها أحوال. أحياناً كان يظهر للجامعة دور فى خدمة القضايا العربية وتوحيد الجهود المشتركة بين دول المنطقة فى مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية، لكن فى الأغلب كان صوت الجامعة غائباً أو يغرّد لصالح مراكز القوة المسيطرين على طاولة اجتماعاتها. تستطيع القول أن هذه المؤسسة أُصيبت فى مقتل بعد غزو «صدام» للعراق عام 1990، وما ترتب عليه من أحداث، كان أولها حرب تحرير الكويت عام 1991، ثم غزو العراق عام 2003. كل الحروب التى شهدتها المنطقة حينذاك تمت برضاء عربى يتوافق مع الإرادة الأمريكية التى مثّلت الوريث الشرعى لبريطانيا -راعية التأسيس الأول للجامعة- بعد الحرب العالمية الثانية.
منذ بضعة أيام سمعنا عن قصف صاروخى إيرانى -يتوازى مع تحليق جوى تركى- على شمال العراق. الخطوة أثارت قدراً لا بأس به من الغضب من جانب صنّاع القرار فى العالم العربى، لكنها مرت كغيرها من الخطوات التى اتخذتها كل من إيران وتركيا لمد نفوذهما فى المنطقة العربية. فكلتا القوميتين الإيرانية والتركية تنظر منذ زمن بعيد إلى الدول العربية كمجال حيوى لهما، تماماً مثلما تفعل إسرائيل. وقد نجحت إيران فى الوجود داخل عدد من الدول العربية، من بينها العراق وسوريا ولبنان واليمن (عرب آسيا)، أما تركيا فقد مدّت بصرها إلى (عرب أفريقيا)، فذهبت إلى ليبيا، وأوجدت لنفسها قدماً فيها، وأطماعها فى الشمال الأفريقى معروفة، أما الأطماع الإسرائيلية فحدّث ولا حرج.
المنطقة العربية كادت أن تصبح ساحة للصراع بين القوميات المختلفة التى تتزاحم فيها، وأبرزها القومية الفارسية والقومية التركية. وللإنصاف فقد تمكنت هاتان القوميتان من الاحتفاظ بسماتهما الأصيلة (خصوصاً على مستوى اللغة والثقافة)، وقد بلغت حداً مرضياً على هذا المستوى، حين سكنت فى أضابير التاريخ، وانطلقت تحلم بإعادة أمجاد الشاهنشاهية والخاقانية. عذرهم فى ذلك حالة التردى التى أصابت العرب على مستويات عديدة، من بينها اللغة والثقافة. قد يرى البعض هذا العامل هيناً، لكنه فى تقديرى الأخطر. بإمكانك أن تسترجع الحالة الثقافية واللغوية داخل بعض دول الخليج، أو الشمال الأفريقى، وبمقدورك أن تدخل أى مدرسة فى أى دولة عربية، وستجد أن آخر شىء يتم الاهتمام به هو اللغة والثقافة العربية. وقد اجتاح هذا التوجه الكثير من الدول العربية -خصوصاً الخليجية- بعد غزو «صدام» للكويت منذ ثلاثة عقود من الزمان، حتى فى مجال الدراما، أصبح الفضاء محتلاً بالمسلسلات التركية والإيرانية المدبلجة.
انطلاقاً مما سبق أجد أن العقل والمنطق يفرضان على الجامعة العربية التحوّل إلى مؤسسة لرعاية الثقافة العربية واللغوية، فربما تفيد فى هذا المجال أكثر، بعد أن عجزت -بسبب ظروف أغلبها من خارجها- عن خدمة القضايا السياسية والاقتصادية العربية. قد يقول قائل إن للجامعة جهوداً فى هذا السياق، لكن ما نريده أن ينصرف كل جهدها إلى هذا الاتجاه لتصبح: جامعة العرب «الثقافية»، ولا يستخفن أحد بهذا الأمر. فكل ما تراه من تحركات تركية وإيرانية وإسرائيلية فى المنطقة أساسه ثقافة متجذرة.