توقيت القاهرة المحلي 21:04:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ثرثرة فـوق النيل

  مصر اليوم -

ثرثرة فـوق النيل

بقلم: د. محمود خليل

عبر كل التواريخ والمراحل والأحداث التى تقلب عليها المصريون كان النيل حاضراً فى إبداعات الكهنة والشعراء والزجّالين والروائيين والمؤرخين والجغرافيين. فى اللحظة التى كان يخشع فيها صوت كهنة آمون بشكر الإله القادر مانح الخصب لمصر، كان لسان الشاعر يخفق مخاطباً النيل: «من أى عهد فى القرى تتدفّق»، فى حين تلتمع كلمات فى ذهن زجّال فيتدفق دمعه «على سواقى بتنعى.. ع اللى حظه قليل يا نيل»، ويظل النيل يتهادى حتى يصل إلى كبير الرسامين بالكلمة «نجيب محفوظ» فيمد أذنه ليُنصت إلى «ثرثرة» المصريين «فوق» صفحة «النيل». فلنستمع إلى ما قالوا ونقله الراوى الأمين عام 1966.

تبدأ أحداث رواية «ثرثرة فوق النيل» فى شهر أبريل، شهر الكذب والعواصف. ويمثل الموظف المصرى البسيط «أنيس زكى» محور العمل. وهو موظف خائب، وزوج سابق، وأب سابق، لكنه ثرى بالحكمة. وطائف الحكمة لا يطوف برأسه إلا عندما تكون عامرة بالكيف، فمع قرقرة «الجوزة» وتصاعد الأنفاس تشتعل الأفكار فى رأسه، ويبدأ فى التنظير للعالم من حوله. نماذج كثيرة قدّمتها الرواية البديعة لشخوص يتحرّكون داخل المجتمع المصرى ويؤثرون بطريقة أو بأخرى فى حياة الناس. جمع بينهم إحساس بالضياع لأسباب مختلفة، وألّفت «الجوزة» بين قلوبهم، فأصبحوا إخواناً فى «السطل» والتحليق بعيداً عن الواقع.

لو أنك فتّشت فى سطور الرواية عن الأسباب التى دفعت أبطالها إلى الهروب من الواقع، فستجد أنها تتحلق حول فكرة «الإحساس بالفشل» المغروس فى نفوس الجميع، رغم ما يتمتعون به من نجاح ظاهرى فى الواقع. فهناك الناقد الحائر بين جذوره المحافظة فى الريف والحياة التى يعيشها فى القاهرة، والموظف الذى يلعن الوظيفة التى يعبد أصحابها «إله الأقدمية»، ويأمل كل موظف منهم فى أن يزيح من يسبقه من طريقه حتى يتمكن من الولوج إلى جنة «الترقية»، أو الحصول على «حافز»، والفنان الشهير الذى تنغص وظيفة أبيه «الحلاق» ما وصل إليه من مجد عبر ما يقدمه من أعمال تافهة، والصحفية التى تبحث عن فكرة لمسرحية جديدة قررت كتابتها.

تشارك الجميع فى الهروب من الواقع، وإن اختلفت بهم الأسباب، حتى بواب العوامة التى تتجمع فيها شلة الأنس كان يهرب بطريقته الخاصة. لم يتعاط الحشيش، مثلما كان يفعل السادة، بل هرب إلى الدين، وغرق فى العبادة حتى أسكرته. اجتهد أنيس زكى البطل الأول للرواية فى اكتشاف السر الذى يحاول البواب الهروب منه، لكنه لم يفلح فى ذلك، بيد أنه كان واثقاً أن عم عبده مثلهم يعيش حالة هروب، لكن بطريقته الخاصة.

ظلت شخوص الرواية على إدمانها للهروب من الواقع حتى واجهت لحظة حقيقة، حين دهست سيارتهم إحدى الفلاحات فى الطريق إلى «سقارة». حاول بعضهم -كما تعود- الهروب من الجريمة التى شاركوا فى ارتكابها، لكن الحدث هذه المرة كان مزلزلاً، ولم يكن من السهولة بمكان القفز عليه بالتحليق مع دخان الحشيش المتصاعد. الهروب أصبح جريمة أكبر وأخطر من جريمة القتل، وحانت لحظة المواجهة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ثرثرة فـوق النيل ثرثرة فـوق النيل



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات

GMT 07:33 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

فان دى بيك يؤكد أن الجميع يتحمل السقوط الأوروبي لليونايتد
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt