توقيت القاهرة المحلي 19:25:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

شيخ الطريقة الأدهمية

  مصر اليوم -

شيخ الطريقة الأدهمية

بقلم: د. محمود خليل

اعتاد لسان «أدهم» على إفراز التعابير الدينية كما يفرز الكبد الصفراء. كل كلام «أدهم» يأتى مكللاً بعبارات يستحضر فيها السماء، فكل أمر بمشيئة الله، وكل شىء بقدر الله، وكل حدث تحركه يد الله، وكل خطوة تحرسها عناية الله، وحين تضل به السبل يحفظه الله، وحتى إذا تعثر فـ«اسم الله عليه». اسم الله يتردد على لسان «أدهم المصرى» فى كل اللحظات والمواقف. التدين اللسانى حالة أدهمية خاصة عادة ما يدارى بها فشله أو إخفاقاته أو أخطاءه أو عجزه، ورغم أن الإيمان بالله هو بالأساس مصدر قوة، نجده عند «أدهم» مظهراً لمداراة ضعفه وستر انكفائه. تعود «أدهم» على «التدين تحت راية» فأصبح دينه شعارات تتردد، وأقوالاً تتكرر، ومسيرة فى ركاب درويش أو شيخ، يصح أن نصفه بشيخ الطريقة الأدهمية.

فى أواخر عهد الخديو إسماعيل تعرضت البلاد لأزمة مالية شديدة فاقترح عليه ناظر ماليته «إسماعيل المفتش» اللجوء إلى الرعية لمساعدته ضد تحرش القوى الأجنبية به، وأن يستعين فى إقناعها بأحد مشايخ «الطريقة الأدهمية». جاء الخديو بالشيخ واستفتاه فى الأمر الذى آلت إليه مالية البلاد ومدى شرعية الاستعانة بمال الرعية فى حل المشكلة، فأفتاه الشيخ قائلاً: «إن الأموال أموال سموكم، وإننا جميعاً بمالنا ونسائنا وأولادنا عبيد لسموكم، والعبد وما ملكت يداه لمولاه». ولأن التدين الأدهمى كلام ولكلكة لسان فإن الرعية لم تفعل شيئاً لباشا مصر، وأخذت الأزمة المالية تتفاقم، فتأخرت رواتب الموظفين، وشحت الأرزاق بصورة أنذرت بما هو أدهى.

بدأت إرهاصات الثورة العرابية، كما تعلم، أواخر عصر «إسماعيل»، واكتمل مشهدها فى عهد خلفه فى الحكم محمد توفيق باشا. وما يهمنا فى موضوع هذه الثورة ليس أحداثها أو تفاصيلها التى نعلمها جميعاً، بل الكيفية التى تفاعل بها «الأداهم المصريون» معها. وأول ما يجب الانتباه إليه فى هذا السياق أن «أدهم» لم يلتفت فى البداية إلى أن هذه الثورة بدأت كفكرة داخل القصر الخديوى أواخر عصر «إسماعيل». فقد جاء «إسماعيل» بأحد مشايخ الطريقة الأدهمية، كما حكيت لك، وسأله فى شأن الاستقواء بالرعية فى مواجهة ضغوط الإنجليز عليه، ورد عليه الشيخ الرد الذى ذكرته. يسجل «ولفريد بلنت» فى كتابه «التاريخ السرى للاحتلال الإنجليزى لمصر» أن الثورة العرابية تمثل «إحدى البدايات اليائسة التى قام بها الخديو إسماعيل عندما اصطدم مع (ولسون) من أجل المحافظة على سلطته وقوته فى مواجهة الوصاية القنصلية، التى أوقعه فيها سوء تصرفه وديونه. حاول الخديو إسماعيل استعادة حسن ظن رعاياه تجاهه، بل راح يناشدهم طالباً منهم العون والمساعدة والتأييد، وليس هناك شك فى أنه تحت ستار المطلب الشعبى حاول أن يتنصل من جزء من الدَين».

الداهية «إسماعيل المفتش»، ناظر المالية الخديوية، كان خبيراً بالنفس الأدهمية، والقوى الدافعة لها، وأولها قوة التعصب الدينى، والتعصب للدين الرفيق الأكثر إخلاصاً لفكرة «التدين اللسانى»، لذا فقد نصح الخديو بالدخول إلى المصريين من خلال أحد شيوخ الطريقة الأدهمية، وكان «المفتش» يعلم أيضاً أن عطش «أدهم» إلى فكرة الإصلاح كبير، وأنه يود العيش الكريم مثل غيره من بنى آدم، وقد ظل سنين مؤمناً بأن سياسات الخديو هى السبب فى تعكر مزاجه المعيشى، لكن «المفتش» تمكن بحرفية من أن يوجه هذه الطاقة السلبية إلى الإنجليز الذين يريدون احتلال البلاد ونهب خيرها. وبهذه الطريقة انتقلت فكرة الثورة العرابية من أروقة القصر الخديوى إلى شوارع وحوارى المحروسة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

شيخ الطريقة الأدهمية شيخ الطريقة الأدهمية



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكيل محمد صلاح يبدأ مفاوضات انتقاله إلى نادٍ سعودي

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt