بقلم: د. محمود خليل
كنت أتوقع أن يصدر قرار رسمى بتعليق صلاة الجمعة الماضية وكذلك قداس الأحد وكافة أشكال التجمعات الدينية كإجراء احترازى فى مواجهة فيروس كورونا، لكن ذلك لم يحدث. من يسمح بذلك من المسئولين ومن يشارك من البسطاء العاديين فى مثل هذه التجمعات الدينية ليسوا أكثر من مزايدين على السماء. فالأصل فى كل العبادات فى الإسلام الارتقاء بسلوك المؤمن. فالصلاة تستهدف ذلك: «إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ»، وكذلك الصيام: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»، وكذلك الحج: «وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى».
العبادات فى الإسلام ليست مجرد طقوس شكلية يؤديها المسلم، وينتهى الأمر عند هذا الحد، بل هى وسيلة للتدريب على السمو الأخلاقى والسلوكى. والنبى صلى الله عليه وسلم يقول: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا تزده من الله إلا بعداً». ولو أننا رجعنا إلى الآية الكريمة التى تقول «إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ» فسنجد أنها تكتمل بقوله تعالى: «وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ». ويقول «ابن كثير» إن المعنى المقصود فى الآية هو ذكر الله للعباد، وحقيقة فإن المعنى العكسى وارد وأقرب إلى المنطق، أى ذكر العباد لله. فتذكُّر الإنسان أن الله يراقبه فى كل فعل من أفعاله وكل سلوك من سلوكياته يدفعه إلى أداء أكثر رقياً مع من حوله، وبذا يكون «ذكر الله» أكبر من الصلاة فى ذاتها، لأنه الترجمة العملية للصلاة كوسيلة للارتقاء السلوكى. من المفترض أن الصلاة تأمر وتوجه من يؤديها إلى الأفعال الأكثر عقلانية ورشداً والأشد نفعاً له ولمن حوله: «قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ».
بصراحة لم أستطع أن أفهم كيف يسارع مسلمون إلى صلاة الجمعة على ما فيها من خطر وبعضهم بادر إلى إخفاء السلع أو رفع أسعارها بعد كثرة الطلب عليها بسبب الإجراءات التى اتخذتها الدولة للحد من حركة الناس فى الشوارع حتى تمر «محنة كورونا». لم أستطع أيضاً أن أفهم البكائيات التى اقترنت بأصوات بعض المؤذنين فى دول عربية وهم يدعون إلى الصلاة فى الرحال، أو نهنهات بعض مستخدمى التواصل الاجتماعى وهم ينقلون مشاهد من الكعبة وبعض المساجد الأخرى وقد قل عدد المصلين فيها. هذا النمط من الأداء يعكس نفاقاً ومزايدة على السماء لا أجد أن مسلماً عاقلاً يقره أو يجد نفسه فى حاجة إليه وهو يواجه تهديداً خطيراً بالإصابة بوباء أو التسبب فى إصابة غيره.
الناس فى حاجة إلى الصبر على الإقامة بالبيوت وعدم النزول إلى الشوارع لعدة أيام أو أسابيع حتى تمر المحنة. من أنواع الصبر التى نص عليها القرآن الكريم الصبر على المرض: «وَالصَّابِرِينَ فِى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ». المصريون ليسوا وحدهم فى العالم. والكل يتابع المدن الأوروبية وقد تحولت إلى مدن أشباح بعد أن اعتزل أهلها فى بيوتهم. الصبر مفتاح الفرج فى مواجهة فيروس كورونا. لا تزايدوا على السماء: «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم».