بقلم: د. محمود خليل
هل دخول العلم وما يترتب عليه من منتجات تكنولوجية يفقد الإنسان الإحساس بالبهجة؟. زمان كنا نستقبل المواسم الدينية والأعياد بقدر لا بأس به من المفاجأة التى تولّد فى النفس بهجة وفرحاً من نوع خاص. يوم الرؤية كان من الأيام المشهودة فى حياة الأجيال التى عاصرت هذا الحدث فى دنيا المصريين. عن فترة السبعينات والثمانينات أحكى. لم تكن الحسابات الفلكية موجودة، أو ربما كانت موجودة ولكن غير معترف بها، كان الناس يتبارون على التأكيد أو نفى ثبوت الرؤية بناء على مشاهدات شديدة السذاجة والغرابة. مثلاً ظهور بائع الفول عصر يوم رؤية رمضان، أو ظهور بائع الزبادى مع مغرب شمسه كان مؤشراً أن الغد هو بداية الصوم. أحياناً ما كان يتأخر الإعلان عن رؤية الهلال وكان التأخير يزيد الأمر إثارة وتشويقاً، ولا أستطيع أن أصف لك بهجة المفاجأة بالصوم أو بالعيد على الكبار والصغار.
الزمان اختلف هذه الأيام. فقبل الرؤية بأسابيع تكون المؤشرات الفلكية معروفة، وبالتالى تفقد ليلة الرؤية زخمها وبهجتها، ويصبح سماع البيان الشرعى المتعلق برؤية الهلال مجرد تحصيل حاصل. يحدث فى بعض الأحوال أن يقع اختلاف بين الجهة الشرعية والحسابات الفلكية، لكن ذلك فى الأغلب من نوادر الأمور. فقد أصبحنا فى مصر -على الأقل- نأخذ منذ زمن بعيد بالحسابات الفلكية، وعادة ما يصدّق البيان الشرعى للإفتاء عليها، دون أن ينسى التأكيد كل عام أنه لا تناقض ما بين الدين والعلم. لكن يبقى أن دقة العلم تؤدى إلى جمود الإحساس وحياديته. الأرقام والحسابات أشد الأشياء جموداً، ولا توجد معها مفاجآت. والمفاجأة ضرورة من ضرورات البهجة. فالمفاجأة جوهر يدور فى فلكه الإحساس بالإثارة والدهشة والانتقال من حال إلى حال. هذه الأحاسيس عاشها قطاع من المصريين، خصوصاً من مواليد الستينات والسبعينات، أما الأجيال التى ولدت بعد ذلك فقد فاتها القطار.
لا يمنع الاحتفاء بفكرة البهجة فى ليلة الرؤية والتى ترتبط بالمفاجأة، أن أذكر أن المفاجآت أحياناً ما كانت تزيد على حدها بصورة تثير السخرية، وتجعل الأجيال التى عاشت هذه الأحاسيس تحمد الله على الأخذ بالحسابات العلمية الفلكية، وذلك عندما تتذكر بعض الوقائع الفريدة التى صادفتها خلال تاريخها مع ليلة الرؤية. من ذلك ما حدث فى شهر رمضان عام 1978، إن لم تخنى الذاكرة، كان اليوم هو 28 شعبان 1398 هجرية، قضاه المصريون كالمعتاد، ولم يهرول أى منهم إلى شراء احتياجات السحور. فثمة 24 ساعة متبقية على موعد استطلاع الرؤية. كثير من الأسر فى ذلك الوقت طعمت عشاءها وصلّت عشاءها ثم نامت. فجأة دوّت صيحات فى كل الاتجاهات، وهتف الكبار والصغار: «الحقوا بكرة رمضان». تعجب السامعون وردوا: «كيف.. والرؤية غداً؟». فرد الهاتفون: «أُعلنت فى الراديو والتليفزيون». هرول من لديه تليفزيون إلى تليفزيونه ومن يمتلك راديو إلى مذياعه، فإذا ببيانات متوالية تقول إنه بناء على رؤية هلال رمضان فى سماء السعودية، سوف يبدأ الصوم فى مصر غداً، لأننا نشترك معها فى جزء من الليل. أُسقط فى يد الناس وتساءلوا: «ما هذه اللخبطة؟». لم يكن أمام الجميع مناص من العدو إلى الشوارع لشراء الفول والزبادى وخبز السحور. تزاحمت الشوارع والمحال وكأن مصر فى «ثورة سحور». وكان السر فى هذه الأزمة الغرام بالمفاجأة، لكنها كانت مدوية إلى حد الإزعاج خلال ذلك العام.. وكل عام وأنتم طيبون.