توقيت القاهرة المحلي 09:23:47 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«التوت والنبوت»

  مصر اليوم -

«التوت والنبوت»

بقلم: د. محمود خليل

كانت فترة ما بين الحربين العالميتين فترة صراع سياسى وثقافى كبير، تنوعت فيها أسماء الساسة والمفكرين التنويريين، وعلى ألسنتهم وفوق سطور مؤلفاتهم سالت العديد من الأفكار المفيدة البناءة، لكنها لم تبرح الألسنة والسطور إلى صدور الأداهم. والسر فى ذلك أن أغلب الأسماء الكبرى التى ظهرت على مستوى السياسة والفكر حينذاك ربطت نفسها بالسلطة أكثر مما وثقت علاقتها بالشارع، انطلاقاً من رؤية تذهب إلى أن التغيير الثقافى هَم لا بد أن تتبناه السلطة لتعيد صياغة الواقع، أما هُم فيكفيهم جداً إنتاج الأفكار وتسويقها لدى السلطة ونيل المكافأة على ذلك، لذا ففى اللحظة التى كانت تعج فيها سماء «الأدهمية المصرية» بالعديد من الأسماء التى لمعت فى مجال التنوير، كانت أرضها تعيش نهباً للخرافة والفهوم المغلوطة للدين والدنيا، ناهيك عن المظالم. لم يفكر أحد فى النزول والتحرك وسط هذه الطبقة العريضة من «حرافيش الأداهم» ليأخذ بيدهم إلى الأمام، فقط الشيخ حسن البنا هو الذى قرر النزول ليأخذ بيدهم، ولكن إلى الماضى أو الخلف.

ذهب حسن البنا إلى بسطاء «الأداهم» حيث يوجدون، فى المساجد والزوايا، فى المقاهى والمدارس، وحتى الجامعات ذهب إليها، بدأ من الإسماعيلية ثم انتقل إلى القاهرة، ومن القاهرة أخذ يتحرك فى كل المحافظات، ليجند الأتباع من هنا وهناك، وفى كل مكان يذهب إليه كان يترك خلفه شعبة من شُعب الإخوان تنشط فى تجنيد أبناء المنطقة الكائنة بها. تندر الشيخ «البنا» ذات يوم بأن الأدهم الإخوانى الذى يعطس فى الإسكندرية يقول له أخوه الأدهم الأسوانى: يرحمكم الله. أسكر البنا آذان مستمعيه من «حرافيش الأداهم» بأحاديث لا تنتهى عن أنهم أعز خلق الله وأنهم ليسوا ضعافاً كما يتصورون، بل هم أقوياء بإيمانهم، «رب أشعث أغبر لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره». إنها رسالة ساحرة لأقوام منغمسين فى حياة فوضوية رديئة يستخلصون منها أن القيمة ليست فى العلم ولا فى التقدم الذى يسبح فى بحاره المحتل الغربى، القيمة فى إطلاق اللحية، وارتداء الجلباب، وإحياء سُنة المسواك، ومد الأرجل فى المساجد بالساعات، وتجنيد غيرهم وجذبهم إلى العالم الجديد الذى يصنعه الشيخ المطربش.

إنها حالة أرضت الأداهم كل الرضاء، حالة تختلط فيها فكرة الاعتزاز بالذات الضعيفة المهانة التى تحيا فى وسط متردٍّ، بإطعام الفم من خلال جلسات الطعام والشراب المشترك التى يتصدرها الثريد «طاجن الفتة»، بقعدات الأنس والونس الذى يجده «الأدهم» عبر اختلاطه مع أفراد أسرته أو شعبته الإخوانية، بإحساس بتحقيق السيادة يشعر به الأخ المسئول الذى يدين له بقية مجموعته بالسمع والطاعة، بالتماهى بشخص المرشد الذى يقول عنه محمود عبدالحليم فى كتابه «أحداث صنعت التاريخ» إنه لم يعرف مقام النبوة إلا عندما احتك بحسن البنا!. إنها حالة فريدة من نوعها تمكن فيها شخص من النزول إلى الخلاء الذى يعيش فيه الأداهم ويتلاعب بعقولهم ويقدم لهم صياغته الخاصة لمعادلة «الخبز والهدوء» المولعين بها. لقد امتلك سعد زغلول القدرة على التأثير فى الأداهم بخطبه الطنانة الرنانة، كان يعلم أن الناس تكتفى بالاستماع والطرب ولا يتحركون بعد ذلك، تماماً مثلما وصف عدلى يكن حاله ذات يوم بقوله: ««سعد باشا يقول كلاماً بديعاً، لكنه مع الأسف يخاطب جماعات كأعمدة السكك الحديدية»، كان الزعيم يعلم ذلك ويكتفى بالكلام لأنه رجل سياسة، أما حسن البنا فقد قرر أن ينزل إلى أرض الأداهم ويتفاعل معهم مباشرة، لأنه أراد تجييشهم وتكتيلهم، وتحويلهم إلى «نبوت» يفرض به ما يريد على من يريد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«التوت والنبوت» «التوت والنبوت»



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt