بقلم: د. محمود خليل
اختلف الرواة والقالة فى عدد أعضاء الوفد الأنصارى الذى قابل النبى، صلى الله عليه وسلم، وأسلم على يديه قبل بيعة العقبة الأولى، فمنهم من قال إنهم 7، ومنهم من قال 8 أفراد، لكن الأمر المؤكد أن وفداً من الأنصار يتشكل من 12 فرداً من أهل المدينة وصل مكة بعد ذلك بعام وبايع النبى بيعة العقبة الأولى، وصاحبهم فى العودة مصعب بن عمير، ليُعلّمهم الإسلام. أرّخ هؤلاء النفر للظهور الأول للإسلام على مسرح «يثرب»، وكان أغلبهم من الخزرج، والأوسى الوحيد من بين الوفد الأول (7 أفراد) كان أبوالهيثم بن التيهان، وكان هذا الصحابى الجليل من الخطورة والتأثير فى قومه بمكان، وهو حليف بنى عبدالأشهل أحد أهم بطون قبيلة الأوس.
ولعلك تذكر أننى حكيت لك عند الحديث عن إسلام «إياس بن معاذ» أنه جاء إلى مكة ضمن وفد من بنى عبدالأشهل قبل حرب «بعاث» لإبرام تحالف مع قريش تساندهم القبيلة بمقتضاه فى حربهم المرتقبة مع الخزرج.
كان بنو الأشهل «الأوسيون» الأسرع من غيرهم إلى الدخول فى الإسلام، وقد كان إسلام سعد بن معاذ -أحد سادات المدينة من هذا البطن- محطة فارقة فى انتشار الإسلام بين عرب يثرب.
حرّك الأوس من بنى الأشهل الكثير من الأحداث داخل يثرب بعد بيعة العقبة الأولى. ولم يكن الخزرج بأقل منهم اندفاعاً إلى الإسلام، فقد كانت غالبية الوفد الأول الذى التقى النبى من أبناء هذه القبيلة. فى هذا السياق لا بد أن يقفز سؤال إلى الذهن حول موقف من دخلوا فى الإسلام من عبدالله بن أبى بن سلول؟.
وقد ذكرت لك أن أهل يثرب توافقوا بعد المحنة العنيفة والمقتلة الكبرى التى عاشوها فى معركة «بعاث» على أن يولوا «ابن سلول» الخزرجى أميراً عليهم، لكن يبدو أن أموراً اختلفت بعد ذلك، فقد كان البطن الأنشط من الخزرج «بنى عبدالأشهل» غير راضين عن أن يتولى أمرهم سيد من الخزرج، كما أن نفراً من الخزرج كان يكره عبدالله بن أبى بن سلول بسبب دفاعه عن اليهود وموقفه الشامت من مقتل عمرو بن النعمان فى معركة بعاث، لأنه لم يستجب له حين نهاه عن قتل رهائن بنى النضير وبنى قريظة من اليهود لدى الخزرج.
نشط مصعب بن عمير فى دعوة أهل يثرب إلى الإسلام حتى لم تبقَ دار من دور الأنصار إلا وفيها مسلم، وعندما حال الحول ومر العام ذهب وفد من أهل المدينة يزيد تعداده على 70 رجلاً وبايعوا النبى بيعة العقبة الثانية، التى شكلت حدثاً مفصلياً فى تاريخ الإسلام عموماً وحياة الأنصار على وجه الخصوص.
توثق العباس بن عبدالمطلب، عم النبى -وكان على دين قومه- لابن أخيه وأخذ العهد من الأنصار على حمايته. ومن عجب أنه خاطب القوم بعبارة «يا معشر الخزرج» -كما يذكر «ابن كثير»- وكان القرشيون معتادين على مخاطبة أهل المدينة بهذه العبارة على ما فيها من جرح للأوس، رغم أن المواقف كانت تقول إن رجال هذه القبيلة يتمتّعون بحس سياسى أعمق من الخزرج.
وليس أدل على ذلك من أن السؤال الأخطر الذى وجِّه للنبى خلال «العقبة الثانية» جاء على لسان أبوالهيثم بن التيهان، وهو من الأوس، حين قال: «يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال -يعنى اليهود- حبالاً وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا. فتبسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال بل الدم الدم والهدم الهدم. أنا منكم وأنتم منى. أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم».