بقلم: د. محمود خليل
قد تستغرب إذا قلت لك إن أكثر الدول التى يمكن أن تستفيد من الانهيار الحاصل فى أسعار البترول هى الدول الفقيرة، بل ويمكنها أن تحصّل الكثير من المكاسب من وراء ذلك، وتدفع أدوارها بشكل أكثر إيجابية على خرائط النفوذ الدولى، خصوصاً إذا علمت أن سلعتين فى الدنيا لا تبوران «الأكل والمعرفة». ودعنى أشرح لك كيف ذلك.
البترول كما تعلم هو أكبر مصدر من مصادر الطاقة. والطاقة تدخل فى كل منحى وجانب من حياتنا. الطاقة هى الطائرة والسيارة، هى الزراعة والصناعة، هى رغيف الخبز وأسفلت الشوارع، هى الكهرباء التى تضىء والماء الذى نشرب ونروى الأرض به. الطاقة هى ببساطة كل شىء فى حياة البشر. وقد كانت الدول الفقيرة -التى لا تملك بترولاً- تدفع الكثير مقابل الحصول على هذه السلعة التى تحتاج إليها. الزمان اختلف وأصبح البترول أرخص من المياه، وتستطيع الدول الفقيرة أن تستخدمه بأريحية فى صناعتها وزراعتها وكهربائها ومائها وطرقها وخلافه.
ارتباك أسعار البترول الذى وصل إلى حد الانهيار يمنح فرصة تاريخية للدول الفقيرة لتعيد هيكلة اقتصادها، بحيث تركز على مسارين. أولهما مسار «الإنتاج الغذائى». وهو من أخطر المسارات التى يمكن أن تؤدى إلى تأمين احتياجات أية دولة فى عالم جعلته أزمة كورونا شديد الأنانية. ويكفى فى هذا السياق أن أذكرك بأن بعض الدول أعلنت عدم تصدير بعض السلع الغذائية الحيوية إلى الغير خلال الشهور القادمة، والبعض الآخر قرر بيعها بأسعار مغالى فيها، مستغلاً حاجة الدول إلى الشراء، إلى حد أصبحت معه سلعة، مثل القمح أغلى وأثمن بكثير من براميل البترول «وسبحان المعز المذل». للمصريين نصيحة مأثورة يسديها أى شخص لآخر ينوى البدء فى مشروع، ملخصها أن «مشروعات الغذاء لا تبور ولا تعرف الخسارة». التجربة تقول إن هذه الحكمة فى محلها، وأن أية دولة تريد أن تصبح صاحبة نفوذ فى المستقبل عليها أن تهتم بإنتاج الغذاء، وهو إنتاج -كما تعلم- يتأسس على الزراعة.
المسار الثانى الذى يمكن أن تسلكه الدول الفقيرة هو «اقتصاد المعرفة». المعرفة -مثل الغذاء- سلعة لا يصيبها البوار، وبمقدور مالكها أن يحدد سعرها كيفما يريد. حدثتك فيما سبق عن اقتصاد المعرفة وكيف سيتمدد، ويصبح أصلاً من أصول خريطة الاقتصاد العالمى بعد كورونا. وتقدم دولة مثل الهند نموذجاً للكيفية التى يمكن أن يشكل اقتصاد المعرفة أحد روافع النهضة والتنمية ونقل الدولة من خانة الفقر إلى براح خانة الامتلاك، فصناعة البرمجيات داخل الهند منتعشة كل الانتعاش وتصب فى تعظيم مواردها بشكل جعل الاقتصاد الهندى عاشر اقتصاد على مستوى العالم. ولك أن تتوقع حالة التمدد فى هذا المسار الاقتصادى داخل الهند خلال الفترة المقبلة.
فى ظنى أن مصر واحدة من الدول التى يجب أن تفكر جدياً فى المسارين «الغذائى والمعرفى» كأساس لتحريك الاقتصاد، بعد أن نتجاوز جائحة كورونا بإذن الله. والسبب فى ذلك أننا نمتلك أكثر من غيرنا القدرات التى تساعدنا على ذلك، سواء على مستوى المعطيات والموارد، أو على مستوى الكوادر البشرية. كل ما نحتاجه هو امتلاك الرؤية التى تنبنى على الحسابات الدقيقة.