بقلم: د. محمود خليل
فى دولة مثل كندا -يبلغ عدد سكانها 37 مليون نسمة- يوجد ما يزيد على 90 جامعة. فى مصر التى يزيد عدد سكانها على 100 مليون نسمة يوجد لدينا 63 جامعة وأكاديمية تتوزع على 27 جامعة حكومية، و20 جامعة خاصة، و4 جامعات أهلية، و12 أكاديمية.
عدد الجامعات لدينا محدود للغاية قياساً بعدد السكان. والكل يعلم حالة التكدس التى تعانى منها الجامعات الحكومية والخاصة فى مصر، لقد أصبح القبول فى كليات الطب والهندسة بالجامعات الخاصة يرتبط بالحصول على مجموع يقل بنسبة محدودة عن مجموع القبول بالجامعات الحكومية. ولك أن تتخيل غُلب الأهالى الذين حصل أبناؤهم على مجموع يزيد على 95% ولا يجدون لأولادهم أماكن بكليات الطب فى الجامعات الخاصة. لن أحدِّثك بالطبع عن المصروفات الفلكية التى يدفعها أولياء الأمور نظير التحاق أبنائهم بهذه الجامعات «إن وُجد لهم مكان».
التوسع الأفقى فى التعليم وزيادة عدد الجامعات ضرورة لا خلاف عليها. وهى تحتاج المزيد من الجهد والدعم، لكننا أيضاً بحاجة إلى الالتفات إلى التطوير الرأسى على مستوى الجامعات، وأقصد هنا بالتحديد الجامعات الحكومية. لدينا كما ذكرت لك 27 جامعة حكومية، من بينها جامعات لها سمعتها الدولية المميزة، مثل جامعات القاهرة وعين شمس والإسكندرية والمنصورة وحلوان. وداخل هذه الجامعات الحكومية توجد كليات لا تقل قيمة عن غيرها من الكليات المناظرة لها على المستوى الدولى، مثل بعض كليات قطاع الدراسات الهندسية.
جامعاتنا الحكومية فى حاجة إلى النمو على مستوى ضخ المزيد من التخصصات والبرامج الدراسية الجديدة التى يحتاج إليها سوق العمل داخل وخارج مصر، وكلياتها فى أشد الحاجة إلى تطوير حقيقى على مستوى اللوائح والمقررات وأساليب التعليم والتدريب والتقويم، أيضاً تحتاج هذه الجامعات نوعاً من الاستقلالية الإدارية تمكنها من الدفع بالكفاءات القادرة على التطوير إلى الأمام، بالإضافة بالطبع إلى تحسين الأوضاع المعيشية لأعضاء هيئة التدريس.
ورغم مجانيتها، لم تشكل الجامعات الحكومية فى يوم من الأيام عبئاً على مالية مصر، بل على العكس تماماً فقد مثلت هذه الجامعات حضانات للاستثمار البشرى منذ نشأتها وحتى الآن. ولا أجدنى بحاجة إلى التذكير بأن خريجى الجامعات الحكومية الذين سافروا للعمل بالخارج، وأعدادهم تفوق الحصر، يعدون المصدر الأهم للعملة الأجنبية. ولا تزال تحويلات المصريين بالخارج المصدر الأهم للدخل القومى فى مصر.
لا أتفق مع من يذهبون إلى أن الجامعات الحكومية أصبحت مهددة بسبب الجامعات الأهلية، فنحن فى كل الأحوال بحاجة إلى المزيد من الجامعات، فلو صح رأى هؤلاء لاهتزت أوضاع هذه الجامعات بعد ظهور الجامعات الخاصة التى تعمل منذ ما يقرب من ربع قرن من الزمان، ولم تستطِع أى منها أن تحقق سمعة دولية أو تدخل فى التصنيفات العالمية للجامعات، مثلما حدث بالنسبة لبعض جامعاتنا الحكومية العريقة.
الجامعات الحكومية قادرة على الصمود وتوفير ساحة لتعليم المتفوقين والنابهين من أبناء مصر ممن لا يملكون القدرة على دفع فاتورة مصروفات الجامعات الخاصة أو الأهلية أو الدولية.. وتطويرها أصبح ضرورة وطنية مُلحة.
نعم هى جامعات مجانية -حتى الآن- لكن تطويرها ضرورة.. وجزء من التخطيط الواعى لخريطة المستقبل.