بقلم: د. محمود خليل
عبر فترة زمنية ممتدة ظلت النكتة جزءاً لا يتجزأ من حياة وثقافة المصريين. ورغم التسليم بدورها فى التنفيس عن أوجاعهم وما يمارس عليهم من ضغوط، فإنها بقيت أداة تعكس إحساسهم بالحياة وردود فعلهم -غير المتحفظة- تجاه ما يتفاعل على مسرحها من أحداث ومواقف وشخوص.
النكتة فى حياة المصريين قديمة جداً، البعض يردها إلى العصر الفرعونى. وشكاوى الفلاح الفصيح تحمل إشارات لا تخلو من كوميديا موجعة. ولعل أقدم كتاب سجل نكات المصريين هو كتاب «الفاشوش فى حكم قراقوش» الذى ألفه «الأسعد بن مماتى». ويحكى مجموعة من القفشات الكوميدية الساخرة من «بهاء الدين قراقوش» نائب صلاح الدين الأيوبى فى مصر. ولو أنك راجعت كتاب التاريخ -صفحة الدولة الأيوبية- فسوف تقف على الأسباب التى كانت تدفع المصريين إلى السخرية من «قراقوش». فقد شهدت هذه الفترة مطاردات وقمعاً من جانب السلطة الأيوبية لكل ما هو شيعى وكل من بقى على المذهب الإسماعيلى الموروث عن العصر الفاطمى، ناهيك عن تسخير النائب الهمام للآلاف من المصريين فى جلب الحجارة لبناء القلعة التى اعتزم صلاح الدين أن تكون مقراً لحكمه، ومات -رحمه الله- قبل أن يسكنها.
سارت النكتة مع التاريخ المصرى جنباً إلى جنب واستقرت كجزء من الثقافة الاجتماعية والسياسية وأحياناً الدينية للمصريين، وأصبحت جزءاً من الفن على أيدى رواد «فن المونولوج» الذين وظفوا الأزجال كوسيلة للنقد الساخر لبعض الظواهر الاجتماعية السلبية، وكان رواد المونولوج -مثل إسماعيل ياسين- يقطعون أو يمطرون آذان المستمع بعد الفراغ من الغناء بمجموعة من النكات التى كان يتفاعل معها الجمهور بالضحكات المفرقعة.
احتضنت الصحافة هى الأخرى النكتة من خلال فن الكاريكاتير، وتعددت الصور والإبداعات التى نسجتها ريشة كبار الساخرين فى مصر بدءاً من صاروخان «المصرى أفندى» ومروراً بصلاح جاهين وانتهاء بمصطفى حسين وغيرهم. وما أسرع ما كانت تنتقل النكات المكتوبة ليتم تداولها شفاهة، أو يستوحى رسام الكاريكاتير النكتة من العالم الشفاهى ليصوغها فناً، لكن بقيت النكتة الشفاهية جزءاً لا يتجزأ من الثقافة العامة للمصريين، حتى دخلوا حظيرة العالم الافتراضى.
يذهب البعض إلى أن العالم الافتراضى ومواقع التواصل الاجتماعى التى تتزاحم بالكوميكس والقلش هى الحضانة المعاصرة للنكتة، ويتصورون أن المصرى أصبح يستغنى بقلش الكلام والكوميكس عن «النكتة الشفاهية» أو المحكية التى كانت تزين قعداته وتجمعاته. فى تقديرى أن المسألة ليست كذلك فكل ما يتسكع على مواقع التواصل من قلشات وقفشات أصله المسرح الكوميدى ليس أكثر.
اختفاء النكتة من قعدات المصريين له أسباب أخرى لا بد من البحث والتفتيش عنها. قد يكون «غياب الإبداع» و«المبدعين الشعبيين» فى حبك النكات سبباً من الأسباب، وقد يكون من بينها أيضاً حالة «فتور» أصابت إحساس المصريين بالحياة. ولا يقولن أحد إن ذلك سببه الضغوط المعيشية والحياتية التى يعانى منها المواطن وخلافه، لأن المصرى كان يبدع النكتة فى ظل ظروف أكثر بؤساً وسوءاً من ذلك. «فتور الإحساس بالحياة» مرده أسباب أعمق بكثير قد تظفر ببعضها لو فتشت فى التحولات التى أصابت العادات والعلاقات الاجتماعية بين أفراد هذا الشعب نتيجة سيطرة «الافتراضى» على «الواقعى».