بقلم: د. محمود خليل
الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» تاجر ذكى. هو رجل قدراته السياسية ليست كبيرة، لكنه يتمتع بمهارة خاصة فى إدارة الصفقات وتمريرها. من أبرز مميزات التاجر الذكى القدرة على قراءة الزبون وفهمه واختيار التوقيت المناسب لتقديم السلعة له وفرض السعر الذى يريده مقابل الحصول عليها.
فبعد أسابيع قليلة من إعلان «ترامب» التوصل لاتفاقية لتطبيع العلاقات بين كل من الإمارات وإسرائيل، أعلن منذ بضعة أيام عن التوصل إلى اتفاقية تاريخية (كما وصفها الرئيس الأمريكى) جديدة لإقامة علاقات كاملة بين البحرين وإسرائيل. دول عربية أخرى يبدو أنها على الطريق إلى اتفاقيات شبيهة.
قابل الكثيرون هاتين الخطوتين بالامتعاض وتساءلوا ما الحاجة التى تدعو دولاً ليس بينها وبين إسرائيل حدود مشتركة لإبرام اتفاقيات سلام وتطبيع علاقات معها؟. المسألة ليست مسألة شعوب أو حدود، بل تقع فى خانة الحسابات السياسية لصناع القرار داخل بعض الدول العربية. فكلهم يعلم أن الطريق إلى قلب «ترامب» هو إسرائيل، والتاجر الذكى «ترامب» يعرف كيف يتعامل مع العيون الطامعة فى وجوه الزبائن، وليس لديه أى خجل فى طلب أعلى الأسعار إذا لمح الطمع فى أعين الزبون. والحاجة أم الاختراع وأبوه.
إذا كان ثمة وجه للتميز فى شخصية «ترامب» فى إدارة هذا الملف فيمكن أن نحدده فى «الجرأة التى لا تعرف الخجل». استثناء بين رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية امتلك «ترامب» القدرة على مواجهة الفاشلين بفشلهم. لم يجرؤ من سبقوه على فعل ذلك، لكن «ترامب» لم يجد أى غضاضة فى مواجهة أى فاشل بفشله، وإملاء شروطه وطلباته عليه دون أن يهتز له رمش.. فـ«رمش» الرجل «جارح».
من قابلوا خطوة التطبيع بين بعض دول الخليج وإسرائيل بالامتعاض ينسون أن أغلب الدول الخليجية ترتبط منذ سنين بعلاقات مع إسرائيل. ودولة الاحتلال تضع عينيها منذ سنين على هذه المنطقة، وهى تريد الاستفادة الاقتصادية منها، وبعض صناع القرار فى الخليج لا يجدون غضاضة فى ذلك، ويتبنون وجهة نظر تذهب إلى أن السلام هو الخيار الوحيد الواقعى. حتى مبدأ الأرض مقابل السلام، أو إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، يجدون فيهما خيالات وأوهاماً. فالواقعية لدى هؤلاء تتحدد فى السلام المجانى، أو السلام الذى تستفيد منه تركيبة السلطة، لأن موقف النسبة الغالبة من الشعوب العربية ثابت من مسألة التطبيع مع إسرائيل.
فى عالم الصفقات لا يوجد شىء مضمون، فالتجار الأذكياء -من الفصيلة الترامبية- الذين يجيدون قراءة الواقع، ويتعاملون بحرفية جاهزون وقت الأخذ، كسلاء وقت توريد المطلوب. فالتاجر لا يعرف مهارات الساسة فى بناء التوازنات، والأخذ والدفع، إنه لا يعرف سوى تحقيق أعلى المكاسب الممكنة له ولحلفائه، ووقت الدفع يحلها الحلال. فأوضاع السوق متغيرة، ومن الوارد أن تهب رياح المشكلات على التاجر، أو يتغير موقعه على خريطة التجارة السياسية العالمية، مما يعرقل قدرته على تسديد الثمن، وهو لا يكترث بذلك كثيراً، فالمهم أن «حقه فى جيبه».