بقلم: د. محمود خليل
امتلك أنور السادات -رحمه الله- رؤية واضحة لثلاثية «الحرب والسلام والبناء». فكل عنصر من عناصر هذه الثلاثية مقدمة لما يليه، الحرب مقدمة السلام، والسلام مقدمة البناء. وقد نجح «السادات» فى الانتصار فى الحرب عام 1973، وعندما خطا خطوة السلام قبض ثمنها وتمكن من تحرير سيناء من الاحتلال الإسرائيلى، وفى اللحظة التى شرع فيها فى البناء لإتمام أضلاع الثلاثية بوغت بالهجوم الغادر الذى أدى إلى استشهاده فى أكتوبر 1981. كانت بعض الأطراف الدولية -وربما المحلية- تقدّر أن دور «السادات» انتهى عند هذا الحد.
أواخر السبعينات كان «السادات» قد بدأ للتو فى ترميم المرافق المتهالكة، وانطلق فى مشروعات البنية الأساسية لتحسين شبكات المياه والصرف الصحى والتليفونات والطرق وغيرها، وكانت فى أغلبها تعانى الإهمال نتيجة توجيه القليل الذى تملكه مصر إلى المجهود الحربى. استشهد السادات وكانت هذه المشروعات فى بدايتها. وكل ما فعله حسنى مبارك من بعده لم يزد على استكمال ما بدأه سلفه الراحل.
عندما تولى «مبارك» الحكم كانت كل الظروف مهيَّأة لبناء دولة قوية -بعد أن تخلصت مصر من لعنة الحروب- وحررت أرضها، لكنه أدار مرحلة «البناء» بالقطعة وليس بالرؤية. بمعنى أنه كان يعتمد على ضربات الحظ أكثر من أى شىء آخر. واجه الأزمة الاقتصادية التى اشتعلت فى التسعينات بالخصخصة وبيع مشروعات القطاع العام التى ورثتها مصر عن عصر عبدالناصر، وخدمته الظروف بقيام حرب الخليج وإسقاط نسبة كبيرة من ديون مصر، وخدمته الحرب الأفغانية أيضاً فى تحقيق مكاسب مالية كبيرة، وسارت الأمور على هذا النحو.
قطاعان أساسيان حظيا بالنمو والانتعاش فى عصر «مبارك»، أولهما قطاع العقارات والطرق، والثانى قطاع الاتصالات، وفى المقابل تراجع الاهتمام بالمشروعات الصناعية، وبدأت إسرائيل تدس يدها فى الزراعة المصرية -الأصل التاريخى للاقتصاد المصرى- وعبثت بها.
خلال عقود السلام الثلاثة التى حكم فيها الرئيس مبارك حدثت تراجعات فى العديد من القطاعات المهمة. حدث تراجع فى التعليم وفى الصحة، وبدأ العديد من الأمراض الجديدة والعجيبة فى الانتشار بين المصريين. انطلقت أيضاً رحلة التدهور فى الثقافة والفن المصريين، وتخلت مصر عن موقعها الريادى فى هذين المجالين.
مع نهاية عقود السلام الثلاثة التى عاشها المصريون فى ظل حكم الرئيس «مبارك» بدأت العديد من الظواهر التى انتشرت أواخر عصر السادات فى العودة من جديد: طوابير العيش، الخناقات على الحصول على أنابيب البوتاجاز، الإضرابات والمظاهرات المطالبة بتحسين الدخل، بل وبدأت بعض المرافق فى التدهور، فطفحت المجارى من جديد فى بعض المناطق وانقطع النور والمياه، وعانى العديد من المحافظات أشد المعاناة.
لم يتحقق خلال عقود السلام «المباركية» الثلاثة الحلم المنشود فى بناء دولة قوية. فى المقابل حققت إسرائيل الكثير خلال هذه العقود، فبنت وتمددت وتطورت وعربدت فى المنطقة ما شاءت وشاء لها الهوى، فى وقت كان النظام العربى فيه يتهاوى سنة بعد سنة، بفعل الحماقات والنزوات السلطانية، بدءاً من غزو العراق للكويت 1990 وانتهاء بالغزو الأمريكى للعراق 2003.
فى لعبة السلام لا يجيد العرب لعب دور الفاعل، بل دور المفعول به. وثمة فارق كبير بين أن يُقدم الإنسان على السلام من أجل البناء، وأن يخطو الخطوة لمجرد الاسترضاء الدولى ثم يترك البلاد «تضرب تقلب». هذا سلام «السداح مداح».