بقلم: د. محمود خليل
فى تمام الساعة التاسعة إلا الربع من صباح اليوم الموعود (11 سبتمبر 2001) اصطدمت طائرة الخطوط الجوية الأمريكية رقم 11 بأحد برجى التجارة بنيويورك. كان الحدث مدهشاً، وعلى ما فيه من غرابة عقلنه البعض فى البداية وقالوا: ممكن يكون حادثة تصادم عادية، بدأ الأمر يخرج عن كل ما هو معتاد أو مألوف عندما اصطدمت طائرة أخرى بالبرج الثانى، ثم كان ما كان من اصطدام طائرة ثالثة بمبنى البنتاجون.
القارئ لكتاب «البروج المشيدة» لمؤلفه «لورانس رايت» سيجد وصفاً تفصيلياً للتحقيقات التى أجريت على هامش الحدث المذهل وتحليلاً متأنياً لأداء الأجهزة الأمنية بالولايات المتحدة. من يتصفح سطور الكتاب سوف يخلص إلى أن وقوع الواقعة سبقها تشكل قناعة أساسية لدى جميع الأجهزة المعلوماتية والاستخباراتية الأمريكية بأن تنظيم القاعدة يرتب لتوجيه ضربة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن قرر الاستدارة عما يصفه بالشيطان الروسى «الأصغر» إلى الشيطان الأمريكى «الأكبر»، بل وتوافرت معلومات مبكرة عن الأفراد الذين نفذوا العملية الكبرى، وتحركاتهم فى الولايات المتحدة لدى بعض الأجهزة، لكنها لم تبلغ بها الأجهزة الأخرى المسئولة عن التحرك للقبض عليهم، ومنع الكارثة قبل وقوعها، بسبب سوء التقدير أو الإهمال فى الأداء. يشير الكتاب أيضاً إلى أن التحرك بعد الإصابة الأولى التى ضربت أحد برجى التجارة كان بطيئاً بسبب البيروقراطية الأمريكية!
فى كل الأحوال وقعت الواقعة واستخدم تنظيم القاعدة فيها أشد الأساليب بدائية، فكان أشبه بمن يفجر منزلاً عبر التسلل إلى المطبخ وتفجير أنبوبة البوتاجاز. فى كلمة متلفزة له قبل الواقعة بساعات تلا أسامة بن لادن قول الله تعالى: «أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة». «البروج المشيدة» كانت كلمة السر التى التقطتها المجموعة المسئولة عن التنفيذ فركبت الهواء وانطلقت إلى تنفيذ العملية التى راح ضحيتها آلاف البشر، كان من بينهم عرب ومسلمون!
لم يكن نجاح العمل الإرهابى الأضخم ناتجاً عن حسن تخطيط، أو كفاءة أداء، أو تميز أدوات يمتلكها تنظيم القاعدة، كما أوهم أعضاء التنظيم أنفسهم، المسألة كانت ناتجة عن اضطراب غير مفهوم فى الآلة الأمنية الأمريكية أدى إلى تمرير هذا الحدث الكبير. السلاسة التى مر بها الحدث تثير الحيرة، وتضع علامات استفهام على الأداء الأمريكى المقترن به والذى مثّل سبباً مباشراً لنجاح كوادر القاعدة فى تحقيق أهدافها.
وتتضاعف الحيرة عندما نتأمل التحركات الأمريكية بعد 11 سبتمبر 2001 والأهداف التى حققتها والمكاسب التى جنتها الإدارة الأمريكية من ورائه. لقد استثمرت أمريكا الحدث فى ترسيخ صورة العدو الجديد «الإرهاب المتأسلم» طبقاً لنظرية صمويل هنتنجتون المتعلقة بصراع الحضارات، تحركت نحو أفغانستان ووجهت ضربات موجعة لتنظيم القاعدة، اتجهت بعدها إلى غزو العراق وتدمير مؤسسات الدولة هناك. كان تدمير الدولة العراقية مقدمة مهمة وخطيرة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط طبقاً للهوى الصهيو/أمريكى، طرحت كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية مفهوم «الفوضى الخلاقة»، وبدأت الأحاديث تتواتر عن الشرق الأوسط الجديد.
نتائج أكثر إدهاشاً حققتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد حدث التفجير المدهش، وهى فى كل الأحوال تستحق التأمل والتفكير.