بقلم: د. محمود خليل
كانت الولايات حاضرة فى ذهن سيد قطب بعد عودته من بعثته إليها واستقراره فى مصر، ثم عمله مع الضباط الأحرار الذين اعتلوا السلطة بعد 1952 فى منظمة «هيئة التحرير»، ثم انضمامه إلى جماعة الإخوان عام 1953. أشار «قطب» فى التحقيقات التى أجريت معه على هامش قضية «1965» إلى شخص يدعى أحمد حسين. كان وزيراً للتضامن الاجتماعى قبل ثورة يوليو، ثم ترك الوزارة، وكوَّن جمعية اسمها «جمعية الفلاح» كانت محل ترحيب ودعم من الولايات المتحدة الأمريكية وكانت تعاونه فى الجمعية زوجته.
اتهم سيد قطب «أحمد حسين» وزوجته وجمعيته بضرب العلاقة بين جماعة الإخوان والثورة لحساب الولايات المتحدة الأمريكية، ما كان سبباً فى تحرش الضباط بالإخوان عام 1954، بعد اتهام الجماعة بمحاولة اغتيال جمال عبدالناصر. وكان «ناصر» على علاقة وطيدة بأحمد حسين وزوجته، وساعد ذلك على تشكيل قناعة لدى «قطب» بأن هذا الشخص وزوجته يؤثران على تفكير «عبدالناصر» لحساب الولايات المتحدة.
وضع سيد قطب الولايات المتحدة على مسرح الأحداث فى دور «الشيطان» الذى يرغب فى الاستحواذ على اللاعبين الأساسيين بمصر فى ذلك الوقت. ويبدو أنه خلط بين علاقة مجلس قيادة الثورة بالأمريكان فى كل من الخمسينات والستينات. فى الخمسينات كان السفير الأمريكى بالقاهرة يصف أعضاء المجلس بـ«أولادى»، والأمر اختلف كل الاختلاف فى الستينات حين توترت العلاقة بين الطرفين. ويبدو أن الدافع نحو هذا الخلط محاولة من جانب سيد قطب للضغط على وتر العلاقة المتوترة ورد ما يحدث إلى أفاعيل الشيطان، كدأب أى عقلية مؤدلجة دينياً.
دور الولايات المتحدة فى المنطقة ومحاولة السيطرة على نظام الحكم فى مصر الخمسينات، ثم محاولة التخلص منه فيما بعد، من خلال دعم القوى المعارضة له، ومن بينها الإخوان، كان معروفاً. وكان مرده محاولة ملء الفراغ الذى تركه الاستعمار القديم بعد جلائه عن مصر والمنطقة، فى إطار معادلة القوة والضعف التى حكمت العلاقات بين الدول خلال الحرب الباردة.
أفضى سيد قطب إلى ربه، لكن فكرته الخطيرة بقيت، فكرة «شيطنة الولايات المتحدة الأمريكية»، والمضحك أن نظام الحكم فى الستينات استفاد من هذه الفكرة وعزف على وترها، وقد كانت أمريكا فى ذلك الوقت تلعب الدور الأهم فى دعم إسرائيل. وبعد وفاته استثمرت كل الجماعات الدينية «الفكرة القطبية»، وعندما اندلعت ثورة الخمينى فى إيران عام 1979 وصف الولايات المتحدة الأمريكية بـ«الشيطان الأكبر» ونعت الاتحاد السوفيتى بـ«الشيطان الأصغر».
كل كوادر العمل الجماعاتى تلقفت الفكرة وعملت عليها واستفادت منها، وحتى فى الفترات التى دخلت فيها الجماعات فى علاقة براجماتية مع الولايات المتحدة، خلال حرب تحرير بلاد الأفغان، كان الإسلاميون يحتفظون بنظرتهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية كشيطان أكبر وإلى الاتحاد السوفيتى كشيطان أصغر، طيلة فترة الحرب.
المسئولون فى الإدارة الأمريكية أنفسهم كانوا يفهمون أن الإسلاميين ينظرون إليهم كذلك وأن تحالفهم معهم مجرد تحالف تكتيكى، لكن المصالح المشتركة المؤقتة أحياناً ما تدفع أصحابها إلى تنحية الخلافات جانباً، حتى إذا تم الفراغ من «المصلحة» قفز «المستخبى» وبان على اللسان وحكم فى الواقع. وذلك ما حدث بعد الحرب الأفغانية، حين ضرب الإسلاميون المنخرطون فى تنظيم القاعدة موعداً مع «إبليس الأكبر» فى 11 سبتمبر 2001.