بقلم: د. محمود خليل
دائماً ما ننادى بالشىء ثم نحزن عندما نطبق بعض قواعده، خصوصاً إذا مس هذا التطبيق تفضيلاتنا وأهواءنا. عن انتقال لاعب الأهلى رمضان صبحى إلى نادى بيراميدز أتحدث. اللاعب انتقل لناديه الجديد نظير الحصول على 100 مليون من الجنيهات. المبلغ كبير وله ضجيج وفرقعة فى آذان أصحاب الجنيهات القليلة التى يجنونها بعد جهد وتعب. قوبل انتقال اللاعب إلى «بيراميدز» أيضاً بهجوم كبير من جانب جمهور الأهلى الذى اتهمه بالتنكر للأصول والقيم والنادى الذى رباه صغيراً وأخذ بيده إلى عالم النجومية.
مَن فغرت أفواههم دهشة وعجباً أمام المبلغ الكبير الذى حصل عليه اللاعب ليس عندهم حق. فالمسألة أرزاق فى المقام الأول. والمثل المصرى يقول: «يرزق الهاجع والناجع والنايم على صرصور ودنه». ولا يليق بشعب يصف نفسه بالتدين أن ينظر إلى رزق غيره فيعجب وإلى رزقه فيتحسر، وهو يعلم أن الرزق بيد الله.
ثمة أحاديث عجيبة أخرى تدور على ألسنة البعض عن لاعب الكرة الذى يكسب أكثر من المهندس والطبيب والمحامى والمحاسب وأستاذ الجامعة وغيرهم ممن حفرت أعينهم الكتب بالمذاكرة، ودفع أهلهم كل «اللى حيلتهم» ليحصلوا على الشهادات، ثم عملوا بعد التخرج ليل نهار ولا يحصلون إلا على أقل القليل. وجه العجب فى هذا الكلام أنه يتردد على ألسنة أناس اخترعوا لأنفسهم مشكلة ثم أخذوا يشتكون منها.
أمثال المتكلمين بهذا الكلام وغيرهم هم الذين خلقوا نجومية رمضان صبحى وغيره. فالسعر يتحدد فى ضوء الطلب، والطلب الجماهيرى على مشاهدة كرة القدم والغرام بنجومها يتفوق كثيراً على الطلب على من عداهم ممن يقدمون خدمات أخرى للمجتمع. واللافت أن أغلب جمهور الكرة من هذه الفئات نفسها، أقصد ممن يعتبون على الواقع الذى يعطى الفلوس بالكيلو للاعب الكرة وللطبيب أو المهندس أو غيرهم بالجرام أو الميللجرام. اسأل أياً منهم: انت أهلاوى ولا زملكاوى؟ سيجيبك على الفور، وإذا سألته فى غير ذلك سيجاوبك بالصمت.
أما أحاديث المغرمين بالنادى الأهلى عن تنكر رمضان صبحى للنادى الذى رباه ومنحه الشهرة والنجومية فتتناقض مع إيمان هذا الجمهور بالاحتراف وحق اللاعب فى الانتقال من نادٍ إلى نادٍ، وقد انتقل للأهلى فى مرحلة من المراحل نصف فريق النادى الإسماعيلى وحصدوا مع فريقهم الجديد العديد من البطولات التى فرح بها جمهور الأهلى. لم يتهم أى من أفراد الفريق «الأحمر» اللاعبين الذين وفدوا إلى الأهلى بالتنكر للأصول أو بخيانة أنديتهم القديمة، بل فرحوا بهم وتغنوا بعبقرية الإدارة التى تمكنت من اصطيادهم.
تعال بعد ذلك إلى الرقم الكبير الذى حصل عليه اللاعب وستجده مرتبطاً بدخول نادى بيراميدز إلى ساحة الدورى المصرى. وهو نادٍ يعبر عن العصر الذى نعيشه والذى يصح أن يوصف بـ«عصر الهجين». فالتعليم أصبح «هجين» والعمل «هجين»، فلماذا لا تصبح الأندية كذلك أيضاً؟. «بيراميدز» نازل بفلوسه، وفلوسه كتير، والنتيجة التهاب أسعار اللاعبين، وعجز العديد من الأندية، بما فيها أندية كبيرة، عن منافسته فى بورصة اللاعبين.
كل ما يحدث حول المصريين ظواهر طبيعية للغاية، إذا فكرت فيها بعمق لتدرك ستجد أن الجميع تشارك فى صناعتها. غير الطبيعى حقاً هو الغضب منها و«الزعل» عليها.