بقلم: د. محمود خليل
شىء مزعج حقاً. فبينما تحيط بنا المخاطر وتحيق بنا التهديدات من كل جانب، نجد مثل هذا الحوار العابث بين عشاق «البكينى» وأنصار «البوركينى». والبوركينى هو زى البحر الذى تلبسه المحجبات. حوار ساذج يجرى ما بين مجموعة من البؤساء الذين يتعمدون الطنطنة بالفلوس والرطانة باللغة الإنجليزية من أجل إثبات الوجود الطبقى. وحوار أشد سذاجة يدور على الهامش بين المناصرين لحق المحجبات فى البلبطة، والقائلين بأن البحر للبكينى وليس للبوركينى.
لا يخفى على أحد ما نواجهه من تحديات جسام. وتهميش هذه التحديات والانخراط فى أحاديث لا تنتهى حول مسائل تافهة، وسخافات فارغة من نوع «البوركينى والبكينى» لا ينذر بخير. لقد عشنا مثل هذه الحالة أواخر الستينات. كانت حوارات المصريين حينها تدور على المقاهى وفى القعدات، حيث لم يكن الفضاء السيبرانى متوافراً. وأكثر ما يملأ أحاديث الناس فى ذلك الوقت حوارات لا تنتهى عن فيلم أبى فوق الشجرة وعدد القبلات المتبادلة بين عبدالحليم حافظ ونادية لطفى. وبالمناسبة مثّل شاطئ البحر مسرحاً مكانياً لأحداث الفيلم، تماماً مثلما هو الحال فى فيلم «البكينى والبوركينى». مباريات الكرة كانت أيضاً من شواغل الناس حينذاك، إلى حد أن البعض كان يصف المصريين حينها بأنهم «شعب يفطر فول.. ويتغدى كورة.. ويتعشى أم كلثوم». وأوائل السبعينات حدثت خناقة كبيرة فى مباراة للأهلى والزمالك نزل فيها جمهور الفريقين إلى الملعب واعتدوا على بعضهم البعض، وعلى الحكام واللاعبين، وانتهى الأمر بتعليق الدورى العام. لم يكن المصريون كلهم على هذا المنحى من التفكير. فبعضهم كان يحذّر من مغبة ما يحدث. على سبيل المثال تجد الأشعار التى أنتجها المبدع الراحل أمل دنقل خلال هذه الفترة تقدم توثيقاً للحالة التى سقط فيها المصريون أواخر الستينات، وذلك فى قصيدة «الموت على الفراش» التى يشير فيها إلى انخراط الناس فى أحاديث لا تنتهى عن «الأب الجالس فوق الشجرة»، لكن يبقى أن الأغلبية كانت تصرف تفكيرها إلى البحر والشواطئ وتبحث عن سبابيب الكلام التافه والحوارات العاجزة فى أى اتجاه وتغرق فيها حتى أذنيها، وتجد فيها ملاذاً أكثر راحة. نحن بحاجة إلى استفاقة. فالتهديدات التى تحيط بنا من كل مكان تفرض على الجميع نمطاً آخر من التفكير، وأسلوباً مختلفاً فى التعاطى مع المشكلات. العالم يتغير من حولنا بسرعة. دول تعلو وأخرى تهبط، دول عاشت سنين آمنة مطمئنة وتواجه فى اللحظات الحالية تهديدات غير مسبوقة، دول كانت ضعيفة بالأمس وإذا بها تستأسد اليوم، دول عاشت قاطرة تجر العالم إلى حيث تريد أصبحت مكانتها مهددة، وتوشك دول أخرى أن ترث عرشها وملكها. الدنيا تتغير من حولنا، وصور المستقبل تهتز، ورغم ذلك ما زال بعض منا يصر على الاستمرار فى الغرق فى التفاهات والخزعبلات دون وعى بتحديات اللحظة ولا مخاطر المستقبل. زمن «النعام» ولى، ودفس الرأس فى الرمل خشية رؤية الخطر لن يغنى عن لدغات العقارب والثعابين. استفيقوا يرحمكم الله.