توقيت القاهرة المحلي 13:22:22 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تونس والسيولة السياسية

  مصر اليوم -

تونس والسيولة السياسية

بقلم - يوسف الديني

لا شيء أكثر سيولة في هذه الحقبة التاريخية الغريبة من المحتوى والمعطى السياسي، فكل ما يتصل بساس ويسوس، اللتين تعوذ منهما الإمام محمد عبده، بات يتخذ طابع الخبر السيّار ويتأثر بآنية ولحظية منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يعني أن أفكاراً ومواقف ونظريات وعلاقات وتوازنات تعيش حالة من السيولة إلى حد يصعب معه التفكير في ثابت سياسي غير التغيير الدائم نفسه.
اليوم تحدث هذه السيولة بشكل كبير في الدول التي مسّها ما سمي بالربيع العربي، لكن تونس تحظى بنصيب من الضغط والتحولات في الداخل، رغم أن مشروع الحفاظ على الاستقرار وشرعية وهيبة الدولة والقانون هي مهمة لا يمكن التراجع عنها، ليس للرئيس قيس سعيد، بل للنخبة التونسية الواعية بألاعيب الإسلام السياسي في تثوير الشارع، لكن المختلف في وعي الجماهير العريضة من التونسيين من عامة الناس غير المسيسين بالانضمام للأحزاب ذات الطابع والمنزع السياسي.
ما يجري في تونس اليوم هو محاولة تدمير منجز ما بعد الثورتين الأولى والثانية، المتمثلة في تجاوز النهضة، أو ما يعرف عادة في سياقات أخرى بالثورات التصحيحية.
لكن الإشكالية أن ما طال تونس، وخصوصاً مستوى التمزق والتفكك الذي طال بنى السلطة في الداخل، أكبر مما يتوقعه المراقبون حول ما تم تجريفه في فترة ما بعد الثورة من هويّة ونسغ تونس التي نعرفها على مستوى التقدمية والوعي السياسي، حيث كانت بين الأوائل على مستوى كل الدول العربية في تصدير كوادر متطرفة لمناطق التوتر بسبب حالة التجييش والانقسام، كما أن تغول المناوئين لعودة تونس بورقيبة ساهموا في تعميق تونس الشكلانية على حساب تونس الوعي والمفاهيم والإيمان بالتعدد حيث بات نمط إدارة اللعبة السياسية، وصورة الدولة في الخارج، مرهونين بالهزات الداخلية التي يتحكم في إيقاعها الذين اختطفوا هوية تونس إلى ما يشبه شكل وحالة ما قبل الدولة أو ما يمكن تسميتها «الدولة البدائية»؛ مؤسسات معطلة لا يمكن أن تحييها الشعارات والسيولة السياسية والأحزاب التي تتناسل وتتصارع وتنقسم على ذاتها طمعاً في مزيد من كعكة السلطة، إلى مؤسسات فاعلة، وجمهور من الجيل الجديد، لا ناقة له ولا جمل في الصراعات على الشرعية السياسية، ومعني بقدر تأثره بإيقاع الحياة اليومية، وتحديات المعيشة والاقتصاد. وهي النافذة التي عادة ما يحدث عبر التجييش ضد السلطة... وتتفاقم لاحقاً الأوضاع وتنفلت حالة السلم ونعود للمربع الأول وهو الاعتذارية عن حالة اللادولة بمشروعية زائفة من الثورة أو المظلومية السياسية، التي لا تعبر إلا عن طيف وتيار يستطيع ابتلاع المشهد بأكمله، بما يتملكه من أدوات ودعم وخبرة في التحشيد ضد الدولة، وليس المساهمة في بنائها. وهنا سؤال الأسئلة.
تونس قيس سعيد اليوم تعيش لحظة اختبار غير مسبوقة، في هذه الأوقات الحرجة التي يمر بها العالم، بين مشروع استعادة منطق الدولة والعمل على رفاه المجتمع، ومحاولة خلق تونس جديدة تتجاوز لعبة الكراسي المتحركة والمشروعات المخترقة للسيادة، يتضخم الدور الذي ممكن أن تلعبه دول الاعتدال، وفي مقدمتهم السعودية، لإنقاذ تونس وحمايتها من تقويض منطق الدولة فيها، عبر دعم حالة الاستقرار، وليس التدخل في شؤونها، كما جرت العادة في المقاربة السعودية في تحديات مماثلة.
الصراع اليوم والسيولة السياسية في تونس ليسا تجاذبات إعلامية أو تراشق بيانات وتصريحات، بل هما صراع على هوية تونس، هدفهما السيطرة على مفاصل الدولة، وفشل حشد الأعداد الغفيرة من قبل حزب النهضة ألجأه إلى استدعاء الاتحاد العام للشغل، الذي يعترض اليوم صراحة على القضاء وحملة الرئيس، لحل مسألة الفوضى والتدخلات الخارجية، وهو ما يعني تكرار أخطاء لحظات ما بعد فترة الربيع العربي، حيث أمسك المثاليون معول هدم الدولة، وتلقف الانتهازيون غنائم القوارب الغارقة!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تونس والسيولة السياسية تونس والسيولة السياسية



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

صبا مبارك تتألق بإطلالات عصرية راقية تواكب نجاح الفني

أبوظبي ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 23:53 2013 الخميس ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

إكسسوارات تضفي أناقة وتميُّزًا على مظهرك

GMT 20:04 2019 الثلاثاء ,04 حزيران / يونيو

قرص واحد "يطيل عمر" مرضى سرطان البروستات

GMT 07:05 2021 الأحد ,31 كانون الثاني / يناير

شكري يستقبل رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي الأحد

GMT 00:39 2021 الإثنين ,18 كانون الثاني / يناير

هنا الزاهد وزوجة كريم فهمي تثيران الجدل بفساتين قصيرة

GMT 19:10 2020 الثلاثاء ,03 آذار/ مارس

روبي تشاهد العرض المسرحي "علاء الدين"

GMT 00:00 2019 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

رمضان صبحي يؤجل إعلان مصيره مع الأهلي

GMT 08:45 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

"أبل" تُطلق جهاز "Homepod Mini" و3 هواتف جديدة

GMT 07:42 2018 الجمعة ,31 آب / أغسطس

كشف غموض فتاة توفى زوجها بسببها في تكساس
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt