توقيت القاهرة المحلي 23:37:03 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مع الجائحة!

  مصر اليوم -

مع الجائحة

بقلم: حسين شبكشي

لا نزال في وسط عين إعصار جائحة «كوفيد- 19» وتبعاته، وبمرور الوقت يتبين لنا بعض «الاكتشافات» المهمة التي تم التعرف عليها؛ إذ اتضح أن إحدى أهم وسائل الوقاية من الفيروس التي اتفقت عليها المراجع الصحية، هي التباعد الاجتماعي، فتوقف انتشار الفيروس والحد من أثره المدمر يتطلب تباعداً اجتماعياً غير مسبوق في تطبيقه، والالتزام به، ولكن إيجاد لقاح ناجع وفعال ومؤثر، وإعادة دوران عجلة الاقتصاد العالمي ومنع حدوث جائحة أخرى بالآثار المدمرة نفسها، سيتطلب تعاوناً لصيقاً ومتكاملاً بشكل غير عادي.
لقد كشفت لنا هذه الجائحة فجوات ضخمة وكبيرة في العالم عموماً، وفي كل بلد ومجتمعاته المختلفة؛ فجوات في مجالات شتى، ليس أولها الخدمات الصحية، ولا آخرها القدرات التقنية الحديثة في مجالات الاتصال.
الاستثمار في التقنية، وتأسيس قوي للبنية التحتية المساندة لها، يبينان (كما ظهر في نتائج تايوان وكوريا الجنوبية وسنغافورة في تعامل كل منها مع الجائحة) أن التقنية سلاح فعال متى ما وُظفت بشكل سليم لحماية المجتمع. تقنية موجودة لتحليل رقمي فوري لبيانات حالات في بلد ما لمعرفة آثارها المتوقعة في بلد ثان بشكل استباقي. تطبيقات يتم استخدامها على الناس لمعرفة دوائر الخطر من العدوى جغرافياً. وأي نقص في كميات مهمة وحرجة لبعض المستلزمات الصحية من الممكن تعويضه بشكل سريع عن طريق الطباعة الثلاثية الأبعاد.
الاستثمار في التقنية هو الذي مكَّن المجتمعات من «التأقلم» بشكل مرن وسريع، فأصبحت قادرة على التعلم والعمل والتسوق والتواصل عن بُعد، وهي في عزلة تامة. ولكن الجائحة هذه أعادت العالم وبشكل صادم ومفاجئ إلى القرن السابع عشر، إلى لحظة صفرية تامة مليئة «بالتجريبيات». حقبة كل شيء فيها غامض، وكل شيء فيها ممكن، وكل الأسئلة مفتوحة تحتمل أي نوع من الإجابات.
لحظات من الحيرة والقلق والشك العلمي العميق، في سباق عنيف ضد المرض والموت، في مشهد شبه أسطوري وخرافي. تبين أيضاً أن النظام العالمي الذي كان قائماً قبل انطلاق الجائحة كان نظاماً ضعيفاً جداً وهشاً للغاية، كما أثبتت الجائحة ذلك لاحقاً، وإن لم تثبت ذلك فإن حدثاً اقتصادياً كان سيؤدي إلى تداعي نظام العولمة الذي كان قائماً، وبالتالي فإن ما صنعته الجائحة أنها سارعت بوتيرة التغيير المنتظرة.
لقد قضت الأزمة المالية في عام 2008 على جزء من النظام المالي العالمي القائم، وهذا الأمر أدركه الناخبون في بريطانيا، وصوتوا لأجل الخروج من الاتحاد الأوروبي بشكل فوري. انتهت موجة التفاؤل الوردي التي سادت حقبة التسعينات وأوائل حقبة الألفية الجديدة الميلادية، لندخل الآن في حقبة تشاؤم غير بسيطة. وهناك من أدرك أن نظاماً جديداً ومختلفاً آخذٌ في التشكل، وأقصد هنا قادة روسيا والصين والهند، إلا أن هذا المعنى يبدو أنه لا يزال غائباً عن الساسة في الغرب.
بالإضافة لكل ما سبق، تسببت الجائحة في إظهار عنصرية بغيضة وعنيفة، تحت شعار براق باسم الوطنية على حساب الهوية المشتركة للعالم، والتي تساهم في التعاون على حلول مشكلات يواجهها الكل ولا تستثني أحداً، مهما كان عرقه أو دينه.
أكبر اقتصادين في العالم، الولايات المتحدة والصين، حولا حالة كارثية على العالم إلى شخصنة للحرب التجارية المستعرة بينهما، والتي تصيب شظاياها العالم بأسره، الأمر الذي سيكون من آثاره الحتمية ارتفاع معدلات الوطنية الشعبوية الهمجية، وطغيان استخدام التقنية.
أيضاً هناك قلق كبير وجدير بالأخذ في الاعتبار، من حجم المساس بالحقوق وفقدان الخصوصية والحريات خلال الجائحة وتبعاتها، تحت ذريعة السيطرة والأمن المجتمعي والصحة العامة. الجائحة باقية معنا لفترة غير بسيطة؛ لأن اللقاح غير موجود حتى الآن، والاحتفالية الصينية والروسية بلقاحيهما اتضح أنها كانت مجرد حفلة لا أكثر، ويبقى الأمل على لقاحي «أكسفورد» و«موديرنا». بمعنى آخر: لن يكون الأمر قابلاً للانتقال إلى الحياة بشكل طبيعي في شكلها المبدئي قبل 2022 على أفضل تقدير.
الجائحة لا تزال بيننا تصيب من تصيب وتواصل حصد الأرواح، ولكن من المهم جداً الاعتبار من العبر والدروس المقدمة، لأجل بناء مجتمعات سوية وقادرة على المواجهة وبالتالي التعامل مع مختلف الأزمات بأقل قدر ممكن من الخسائر والتكاليف.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مع الجائحة مع الجائحة



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 16:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
  مصر اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 11:52 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

دعاء المطر والرزق السريع

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 09:29 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج الميزان

GMT 09:41 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العقرب الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:43 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

برج الثور عليك أن تعمل بدقة وجدية لتحمي نفسك

GMT 23:03 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

قواعد وإتيكيت إهداء الورود في المناسبات
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt