توقيت القاهرة المحلي 11:10:39 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مقدمات عالم مؤلم

  مصر اليوم -

مقدمات عالم مؤلم

بقلم - غسان شربل

قالَ صديقي: «لا تُضِعْ وقتَك في مطاردة أخبار السياسيين أو محاورتهم. دورُهم في صناعة مستقبل العالم انحسر. لم تعد الكلمةُ للحكومات والترساناتِ والأساطيل. مستقبل العالم يُصنع في المختبرات. لم تعد ثمةَ قيمةٌ للانقلابات والاستيلاء على قصر الرئاسة والإذاعة الرسمية. المعركةُ الحاسمة تدور في أروقةِ التكنولوجيا وفي الثوراتِ العلمية المتلاحقة». وأضاف: «سيغيّر الذكاءُ الاصطناعي كلَّ شيء. في التنميةِ والصحة والتعليم والاقتصاد والخدمات. مَن لا يلتحق بهذه الفتوحات الكبرى سيجلس على قارعةِ الماضي مهما امتلك من الصواريخ وأسلحة الدمار الشامل. تذكّر جيداً أنَّ ظهور الهاتف الذكي أحدث تغييراً هائلاً في حياة الأفراد والمجتمعات، وهو في النهاية حدث بسيط قياساً على ما سيوفره الذكاء الاصطناعي. لا تخدعنك المشاهد المؤلمة والأخبار السيئة. المخاض طبيعي وسيكون العالمُ أفضل».

أحب التفاؤل والمتفائلين فلولاهم لجلس الناس تحت ركام يأسهم وخيباتهم. وأظهرت التجاربُ أنَّ التكنولوجيا وفّرت للناس أضعافَ ما كانوا يحلمون به، وفي مجالات كثيرة بينها الإعلام. وسّعت الحدود والآفاق وضمنت تدفق الأفكار والصور، وأوصلت الصحافيين والكتابَ إلى أماكن بعيدة. لكن مهنة ملاحقة الأخبار تدفعك أحياناً إلى قدر من التشكيك في أنَّنا نتَّجه إلى عالم أفضلَ حين تقرأ أنَّ الجيوش عاكفةٌ حالياً على توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير قدراتها الحربية، وأنَّ هذه الخبرات ستكون لاحقاً في تصرف الميليشيات والجيوش الجوالة وعصابات الجريمة المنظمة.

استمعت باهتمام إلى أحلام صديقي وعدت إلى العمل. استوقفني خبرٌ طريف لا تنقصه القدرة على الإيلام. طلبت السلطات في كوريا الشمالية من المواطنين أن يفعلوا المستحيل من أجل حماية اللوحات التي تصوّر «سلالة كيم»، وذلك ضمن الاستعدادات لمواجهة الرياح القوية والأمطار الغزيرة المتوقعة ضمن العاصفة الاستوائية المقتربة «خانون». وأوضحت «رودونغ سينمون» الصحيفة الرسمية للحزب الحاكم أنَّ أولوية الشعب يجب أن تكونَ «ضمان سلامة» اللوحات الدعائية للزعيم الحالي كيم جونغ أون، ووالده كيم جونغ إيل وجدّه، مؤسس كوريا الشمالية، كيم إيل سونغ. ووفقاً لموقع «أخبار كوريا الشمالية» فإنَّ صور كيم جونغ أون وكيم إيل سونغ معلقة في كل منزل ومكتب، وإذا دمَّرها شخص، ولو عن طريق الخطأ، قد يواجه حكماً بالإعدام.

ذكرني الخبر بلذة الإقامة في بريطانيا، حيث لا تطالبك الحكومةُ بإنقاذ أي صورة إذا لوّحت عاصفة بالوصول. يمكن قول الشيء نفسه عن الإقامةِ في لبنان رغم تداعيه وانتقاله من قاع إلى قاع. ثم إنّني واثق بأنَّ الزعيم الكوري الشمالي الذي لا يمكن إنكار لمساتِ صواريخه في أنحاء مختلفة من العالم لن يتأخر في استيراد الذكاء الاصطناعي بمختلف الوسائل لوضعه في خدمة ترسانته. جميل أن تستطيع العيشَ في منزلك من دون أن يتمكَّن السيد الرئيس القائد أو جدّه من مراقبة ابتساماتك أو إحصاء أنفاسك.

لسنا في عالم أفضل بالتأكيد. يمكن القول إنَّ وضع كيم جونغ أون أفضلُ ممَّا كان عليه قبل حفنةِ سنوات، حين كان نظامُه يعيش فيما يشبه العزلة. لقد عثر الزعيم المبجّل على دور حيوي في العالم الذي ولد على دوي «العملية العسكرية الخاصة» التي أطلقها الرفيق فلاديمير بوتين على الأراضي الأوكرانية. لقد شاهد العالمُ بأسره قبل أسبوعين الزعيم الكوري الشمالي يحتفل بذكرى الهدنة بين الكوريتين بعرض عسكري لمعت فيه مسيّرات وصواريخ باليستية عابرة للقارات ذاتَ قدرة نووية. والأهم أنَّه كان يطلق ابتسامتَه، محاطاً بمسؤول صيني وبضيف استثنائي هو وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو الذي حظي باستقبال حار. وتردّد في الفترة الماضية أنَّ الجيش الروسي الذي يحارب في أوكرانيا يغرف حالياً من ترسانة الرفيق كيم.

يمكن أن نضيف إلى لمعان الدور الكوري الشمالي تلك المشاهد الوافدة من البحار عن غرق «قوارب الموت» وجثث اللاجئين الهائمة في البحار. والأكيد هو أنَّ الظاهرة الموجعة مرشحة للاتساع، لأنَّ الدول الفاشلة التي تدفع عدداً من شبانها إلى أنياب البحر هرباً من الفقر والتسلط والفساد لم تتعلم وترفض أن تتعلم. هذا علاوة على الدراسات التي تؤكد أنَّ الاحترار المناخي سيتسبب في هجرات مليونية، خصوصاً من البلدان المهددة بالتصحر والجفاف، التي يحتفل الأقوياء فيها بأختام السلطة بغض النظر عن الكوارث المقتربة. ولا تقل إيلاماً الحرائق التي تلتهم الغابات من الجزائر إلى كندا مروراً باليونان والرتغال وغيرهما، في مشاهد مروعة تشبه احتراق لحم الأرض.

وللمشهد تتمة هي ما نراه في أفريقيا. ملايين الجائعين في السودان الذي يتلوى على نيران «حرب الجنرالين». جوع في البلاد التي قيل لنا ذات يوم إنَّها يمكن أن تكون سلة غذاء لأبنائها وللمنطقة المحيطة. ولا يصحُّ أن ننسى عودة أفريقيا إلى لغة الجنرالات والانقلابات والرهان على مساهمات زعيم «فاغنر» الذي يحب الحروبَ ويعشق المناجم. صحيح أنَّ فيديل كاسترو أرسل قوات ذاتَ يوم إلى أنغولا وإثيوبيا لكنه كان كاسترو، وأرسلها في عالم آخر. وأخطر ما في اللعبة أنَّ زعزعة استقرار أفريقيا ستوفر لـ«داعش» فرصة التحصن في الغابات والصحاري، ما يعد القارة بمزيد من الحروب والفقر والآلام.

الاحترار المناخي. تزايد الفقر. «قوارب الموت». الأمن الغذائي المهدد. زعزعة الاستقرار. تكريس العودة إلى لغة القوة. نهر الدم الأوكراني - الروسي. الجمر المهدد بالاستيقاظ في تايوان وحولها. خوف أميركا من الصعود الصيني. وخوف الهند من المارد الصيني. وخوف الدول الصغيرة من صراع الفيلة. كلها عوامل تنذر بأنَّنا نندفع إلى الإقامة في عالم شديد الخطورة يفتقر إلى الكوابح وصمامات الأمان. من حق العالم أن يحتفل بالذكاء الاصطناعي، لكن من واجبه أن يتذكر أن التقدم التكنولوجي المذهل يترافق مع افتقار صارخ إلى التقدم الإنساني. تكفي الإشارة إلى أن دور غوتيريش لا يتعدى إطلاق التحذيرات ونظم المراثي وتنظيم الجنازات.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مقدمات عالم مؤلم مقدمات عالم مؤلم



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 06:48 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تركي آل الشيخ يمازح ابراهيم فايق ومهيب عبد الهادي

GMT 01:35 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سنغافورة نموذج عالمي لتحقيق جودة حياة وصحة مستدامة

GMT 12:44 2020 الجمعة ,25 كانون الأول / ديسمبر

صلاح يتخذ أولى الخطوات للرحيل عن ليفربول

GMT 14:18 2024 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

من أي معدن سُكب هذا الدحدوح!

GMT 23:31 2021 الأحد ,19 أيلول / سبتمبر

نصائح الخبراء للعناية بالبشرة في المنزل

GMT 09:18 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

بيراميدز يخاطب نادي الزمالك لشراء نجمه

GMT 03:26 2020 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

منتخب البرازيل المنتشي يتحدى طموح بيرو في تصفيات كأس العالم

GMT 16:13 2020 الخميس ,08 تشرين الأول / أكتوبر

الاتحاد الإيطالي يفرض العزل على منتخب الشباب تحت 21 عامًا

GMT 22:36 2017 الجمعة ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

أحمد كرارة يستعد للمشاركة في مسلسل "فوق السحاب"

GMT 07:50 2017 الأحد ,01 تشرين الأول / أكتوبر

بلباو تحتفي بالذكرى الـ 20 لافتتاح متحف غوغنهايم

GMT 16:05 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

تسلا تقترب من الاتفاق علي إقامة مصنع سيارات في إندونيسيا

GMT 06:30 2022 الثلاثاء ,27 كانون الأول / ديسمبر

إصابة مدافع لايبزيج في الكاحل خلال عطلته في المالديف
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt