توقيت القاهرة المحلي 23:49:54 آخر تحديث
  مصر اليوم -

جزء طبيعي من العالم

  مصر اليوم -

جزء طبيعي من العالم

بقلم - غسان شربل

كانت المناسبة استثنائية بالفعل. صحيح أن حضور الأمير محمد بن سلمان يجعل الحديث يدور حول المستقبل وآفاقه. لكن الصحيح أيضاً هو أن الماضي القريب كان حاضراً، وكأن عبره تتحول جسراً لضمان العبور إلى شراكات عميقة مفتوحة.
يتضاعف فضول الصحافي حين يشارك في مناسبة تستقطب أسماء لعبت دوراً بارزاً في أحداث كبيرة هزت المنطقة التي ينتمي إليها. هذا ما حدث في العشاء الذي أقيم في واشنطن احتفاء بالشراكة السعودية - الأميركية وبمناسبة زيارة ولي العهد السعودي. فقد كان بين الحضور، إضافة إلى أسماء بارزة في الكونغرس، رجال تركوا بصماتهم على علاقات أميركا بالشرق الأوسط وعلى العلاقات بين واشنطن والرياض. ديك تشيني. جيمس بيكر. جيب بوش نجل جورج بوش الأب. ويليام كوهين. والأمير بندر بن سلطان. كما حضرت ابنة الجنرال الراحل نورمان شوارزكوف مصطحبة معها حفيده.
لا يستطيع الصحافي النجاة من استرجاع الصور والمواعيد. تذكرت يوم أوفدتني «الشرق الأوسط» إلى جنيف لمتابعة لقاء جيمس بيكر مع طارق عزيز. حبس العالم أنفاسه على مدى ساعات. كان الجيش العراقي يحتل الكويت. كان بيكر الهادئ واضحاً وصارماً. لكن عزيز لم يستطع تسلم الرسالة الإنذار التي حملها الوزير الأميركي. كان عزيز يعرف أن صدام حسين صار أسير صورته ويفضل الكارثة على التراجع. وهكذا هبّت «عاصفة الصحراء». ومن خطيئة احتلال الكويت ستولد فصول مأساوية أخرى بينها إسقاط النظام العراقي بالقوة الأميركية الساحقة بعدما وفّر أسامة بن لادن لأميركا الجريحة فرصة الخروج في حملة تأديب واسعة.
توالى الخطباء على الكلام ولم تَعُزْهم البراعة. شيء من الأسرار اجتذب الحاضرين خصوصاً في الحديث عن منعطفات في بلورة قرارات كبرى وصعبة. ولكن لنترك التاريخ للتاريخ وعشاقه. اللافت في حديث الخطباء هو نكهة التفاؤل التي وسمت حديثهم عن مستقبل العلاقات السعودية - الأميركية. وكان واضحاً أن إطلالة السعودية الجديدة خلصت العلاقات من بعض ما كان لحق بها خصوصاً بعد مرورها بامتحانات صعبة.
كان أسامة بن لادن يعتقد أن قطع الخيط الذي يربط أميركا والسعودية يسهل الانقضاض على الثانية، ويهز معها ركائز استقرار دول عربية وإسلامية. ولا مجال لإنكار أن تلك المحاولة تسببت بصعوبات كثيرة، وألحقت ضرراً بصورة السعودية، خصوصاً أن ثمة من جعل همّه تصويرها منبعاً للإرهاب والتطرف.
كل ذلك صار جزءاً من الماضي. تحدث الخطباء عن السعودية الجديدة. السعودية التي شهدت في العامين الماضيين ورشة أطلقت الآمال وحوّلت الشباب السعودي من مشروع الاصطدام بالعالم إلى مشروع التصالح معه وبناء علاقات منفعة متبادلة.
انتهت تلك المرحلة التي سيطر فيها المتشددون والظلاميون على المساجد والمدارس والمخيلات. المرحلة التي كانت تجعل العربي يشعر أنه مستضعف في هذا العالم ومهمش، وأن الخيار أمامه هو الانسحاب إلى العزلة أو التقدم نحو الاصطدام.
وذهبت القصة بعيداً. كان ثمة من يعتقد أن العرب والمسلمين تحولوا عبئاً على العالم ولغماً ينتظر موعد الانفجار بالآخرين. وأن هؤلاء لا يريدون أكثر من التعلق بالماضي والتحصن في كهوفه، وأنهم يتبرمون من الوجود في عالم صنع الآخرون طائراته وثلاجاته وسياراته وأدويته وأفلامه. وجاء مروجو الكراهية ليرشوا الملح على جروح النفوس القلقة. كل من لا يشبهنا عدونا. والآخر المختلف تهديد لمعتقداتنا ووجودنا. نقتله أو يقتلنا. وسادت لغة الكراهيات وتم التلاعب بمخيلات الأطفال وعواطف الشباب.
كل ذلك صار جزءاً من الماضي. في زياراته الخارجية يحمل محمد بن سلمان رسالة واضحة وقاطعة. اتخذت السعودية قراراً لا عودة عنه بتأكيد أنها جزء طبيعي من هذا العالم. واتخذت قراراً صارماً بالصعود إلى القطار المسافر نحو المستقبل، وطوت صفحة هيمنة أفكار المسافرين إلى الماضي.
أن تكون جزءاً طبيعياً من العالم يعني أن تقبل بحق الاختلاف. وأن تسلم بأن لا حق لك في فرض لونك على الآخرين ما دمت ترفض إعطاءهم حق فرض لونهم عليك. الاعتراف المتبادل واللقاء على جسر التعايش. سقطت فكرة اعتبار الآخر تهديداً دائماً ووجودياً. لا خيار إلا التعايش. وعلى قاعدة الاحترام المتبادل والمصالح المتبادلة والشراكة في بناء عالم يحمل بصمات كل المساهمين في بنائه ويتسع للجميع. الكراهية قوة تدمير تصيب حاملها قبل من تتوهم استهدافه.
هكذا تذهب السعودية اليوم إلى العالم. سعودية واثقة. تخطت مرحلة التصدي للإرهاب إلى مرحلة اجتثاث التطرف. التطرف الذي تسرب إلى كتب ومعاهد، وسمم يوميات العيش في الداخل ولغة التخاطب مع الخارج. لم تعد تكفي محاولة تلقيح الناس ضد وباء التطرف. الحل مشروع ازدهار واستقرار يشعر الشباب السعودي بأن النوافذ مفتوحة والفرص متوافرة. فرصة تعليم يرسخ قيم التقدم والتنافس والابتكار. يشعر الشباب السعودي بأن بلاده قادرة على أن تكون مزدهرة وقوية وشريكة في صناعة مستقبل الإقليم والعالم كمحرك ازدهار واستقرار.
تذهب السعودية إلى العالم حالياً حاملة «رؤية 2030». رؤية هي مشروع تحول عميق وواسع في المجتمع. عملية تأهيل شاملة للحضور في الاقتصاد والسياسة. لهذا لم تعد السعودية تفكر في الطائرات بمعزل عن التفكير في الجامعات. تريد شراكات اقتصادية ودفاعية. وتريد كسب ثقة المستثمرين وتأمين الدعم التكنولوجي والتعليمي لبرنامج الإصلاحات. إنها لغة العصر. لغة المصالح المتبادلة والسفر المشترك في القطار الذاهب إلى المستقبل.
انتهت مرحلة الخوف من الصعود إلى القطار مع الآخرين والشراكة معهم. تريد السعودية فتح الأبواب للاستثمار في كل المجالات من الصناعات العسكرية إلى السياحة والترفيه. ثرواتها لا تختصر بالنفط. ثمة ثروة أخرى تستيقظ حالياً. إنها الشباب الذين يجتذبهم حالياً حلم التحول جزءاً طبيعياً من يوميات العالم ومعركته من أجل التقدم وتحسين شروط حياة الناس. ونجاح التجربة السعودية سيقدم نموذجاً يشجع كل العرب والمسلمين على خوض تجربة الانخراط في العالم كجزء طبيعي منه في الحقوق والواجبات معاً.

 

 

 

نقلا عن الشرق الاوسط اللندنيه

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

جزء طبيعي من العالم جزء طبيعي من العالم



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt