وما الحربُ إِلا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمُو
وما هو عَنْها بالحَدِيثِ المُرَجَّمِ ليس للحرب؛ قديماً وحديثاً، جانبٌ مضيء، فالسائدُ هو الجانبُ المظلمُ منها، وهي ليست مجردَ معارك بين جيوش، أو صراعاً على الأرض، أو على منافع ومنابع الثروات فقط... للحرب جانبٌ مظلم يترك أثراً عميقاً في البشر والمجتمعات المختلفة، حتى تلك التي انتصرت فيها، فهي قد تُحسَم بالسلاح، لكنّ آثارَها المظلمة تستمر في الذاكرة عقوداً.
والحرب قد تُخاض باسم «الحرية» أو «العدالة»، لكنها في حقيقتها تزرع الكراهية، وتُخلّف أجيالاً يحملون آثارَها النفسية. لا يوجد في الحرب منتصرٌ أو مهزومٌ حقيقيان، لكن يوجد ضحايا حقيقيون، ولنا في ذاكرة الحربَين العالميتين؛ الأولى والثانية، عبرةٌ في عدد الضحايا الذين هم بالملايين، فبينما نسيَ العالمُ جميعُه مَن انتصر في الحربَين ومَن انهزم، بقيت مقابر الضحايا هي الشاهد الأوحد على الجانب المظلم للحروب، كما وصفها شاعر العرب زهير بن أبي سلمى:
متَى تَبْعَثُوها تَبْعَثُوها ذميمة
وتَضْرَ إذا ضَرَّيْتُمُوها فتَضْرَمِفلا خير تأتي به الحرب.
يتساءل بعض المفكرين: لماذا تذهب الأمم إلى الحروب؟ قد نجد الإجابة على لسان الرئيس الأميركي الـ28، وودرو ويلسون... يقول: «بذور الحرب في العالم الحديث هي التنافس الصناعي والتجاري»، فالحرب «نزاعٌ مسلحٌ تبادليٌ بين دولتين أو أكثر من الكيانات والتحالفات المتضادة غير المنسجمة، الهدف منه هو إعادة تنظيم الجغرافيا السياسية للحصول على نتائج مرجوّة ومصممة بشكل ذاتي». وهنا تكمن الإجابة عن ماهية الحرب ومسبباتها المعلنة والخفية.
وتتنوع أشكالُ الحروب؛ فمنها قتاليةٌ، وأخرى باردةٌ لا قتال مباشراً فيها، كالتي كانت بين المعسكرين الشرقي والغربي في القرن الماضي، والتي استنزف التنافسُ على التسلح فيها العالمَ، وجعله على شفا جرف هارٍ، ورهينةً لعود كبريت أو رصاصة يطلقها أحد الطرفين اللذين أنهكتهما الحربان العالميتان. لم يدخل العالمُ الحربَ الثالثة؛ ليس بتعقل الشعوب والحكام وإدراكهم مخاطر الحروب، بل بالردع النووي والبيولوجي؛ وهو الأخطر. ولو اندلعت حربٌ عالمية ثالثة في أي لحظة، فسيكون الفناءُ مصيرَ الجميع، وليس هناك نصرٌ أبداً، فالجميع سيكون مهزوماً وإلى فناء. وقد لاحظتْ تقاريرُ الأمن البشري انخفاضاً كبيراً في عدد الصراعات المسلحة منذ نهاية الحرب الباردة في أوائل التسعينات من القرن الماضي.
فالحروبُ جميعُ وجوهِها مظلمةٌ، ولا يمكن أن يكون للحرب جانبٌ مضيء، إلا بأشعة الصواريخ والقنابل والشظايا، وهي دائماً مصحوبة بإعاقاتٍ وإصابات وقتلى وجرحى وثكالى وأرامل وأيتامٍ ونزوح وتهجير وجوع وعطش... بل تطول العواقبُ حتى الهواء الذي تلوثه أدخنة الأسلحة والغازات السامة.
لا خير في الحرب حتى للمنتصر، فهو سيخرج منها منهكاً مثقلاً بأزمات أخرى قد يعجز عن إدارتها سنوات طويلة.
ومن أسباب الحروب نزعةُ السلطة، والتنافسُ الانتخابي، فقد كانت الحروب، ولا تزال، من عوامل المغالبة في الانتخابات الغربية، حتى أصبحت الانتخابات الرئاسية في بعض بلدان العالم مجالاً خصباً لإدارة الحروب بين الأطراف المختلفة، بل أصبحت الحروب هي التي تحدد مَن الفائز ومَن الخاسر في الانتخابات.
وهناك نظريات تعتمد «التوسع الديموغرافي وندرة الموارد» سبباً لشن الحروب - منها «نظرية مالتوس» بشأن «الازدياد السكاني وندرة الموارد» - وبالتالي إزهاق ملايين الأرواح، ليس فقط من الجنود؛ بل من المدنيين الأبرياء. وهي تكون دائماً مصحوبة بالصدماتِ النفسية، وفقدانِ الأحبة، وانتشارِ اليُتم، وانهيارِ الروابط المجتمعية، وتدميرِ البنى التحتية، وانهيارِ الأسواق، وانتشارِ الفقر والبطالة والفوضى والجريمة.
إذا بقيت الحروب سجالاً، أو حتى انتهت، فلا غالب فيها ولا مغلوب.
كان هناك ذات يوم سجالٌ فكري وعلمي بين صاحب نظرية النسبية؛ الفيزيائي ألبرت آينشتاين، وعالم النفس سيغموند فرويد، لكنهما ذهبا ولم يجدا حلاً لمنع الحروب، رغم أن ثانيَهما عالِمٌ فذّ في نفوس البشر وخباياها، وأولَهما عالِمٌ في الفيزياء والرياضيات؛ اللذين هما من أسس صناعة السلاح والصواريخ والمقذوفات.
خاض العالَمُ بعدهما عشرات الحروب من دون أن يصل أحد إلى إجابة السؤال: كيف نمنع الحروب؟