توقيت القاهرة المحلي 21:06:44 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لسنا جاهزين.. إذن متى؟!

  مصر اليوم -

لسنا جاهزين إذن متى

بقلم : عبد العظيم حماد

 بعيدا عن التفكير بالتمنى، أو بالاستقطاب، يجب الاعتراف بوجاهة ومنطقية التفسير الذى قدمه الرئيس عبدالفتاح السيسى فى حديثه الأخير فى فيلم «شعب ورئيس»، لانعدام المنافسة الحقيقية فى انتخابات رئاسة الجمهورية، التى انتهت أمس الأول هذا التفسير ــ كما جاء على لسان الرئيس ــ هو أننا لسنا جاهزين بعد.

فليس صحيحا فى اعتقادى أن أيا من الفريق أحمد شفيق، أو الفريق سامى عنان كان يمثل فرصة حقيقية للمنافسة على الرئاسة، بالمعنى المتعارف عليه، أى المنافسة بين تيارات أو تنظيمات أو رؤى شاملة، بل إن أفضل ما كان يمكن أن يمثله كل منهما هو المنافسة بين رؤى فردية من داخل تيار واحد فقط، هو تيار الدولة العميقة، أما أسوأ ما كان يمكن أن يمثله شفيق وعنان فهو التناحر داخل نفس التيار، مدفوعا بالطموحات، والمرارات الشخصية، وصراعات الأجيال، وأما الأكثر دقة فهو أن الرجلين كانا يمثلان مزيجا فيه الكثير من «الشخصى»، والقليل من «الموضوعى» من نفس المنبع، إلا أنهما فى حقيقة الأمر لم يكونا يملكان أية مصادر يعتد بها للقوة السياسية من داخل ذلك التيار، أو من مؤسسة الدولة.

وأما المرشحون الذين كانوا محتملين من خارج الدولة العميقة، فلم يكونوا يملكون فرصة معقولة للترشح، فضلا عن المنافسة، والقول بغير ذلك هو خداع للنفس، وتفكير بالتمنى، أو بالاستقطاب والمكايدة.

نلمس فى استخدام الرئيس السيسى لمصطلح «عدم الجاهزية بعد للمنافسة» تقدما نسبيا فى نظرة الدولة العميقة لقضية جدارة الشعب المصرى بالحكم الديمقراطى، مقارنة بالرسالة الموجهة دائما من المتحدثين باسم هذه الدولة لترسيخ عقيدة أن هذا الشعب لا يصلح للديمقراطية، وأن الديمقراطية لا تصلح له، أو هذا ما نأمله، والفارق واضح بين الرأيين، ففى حالة عدم الجاهزية بعد تكون الأسباب ظرفية، ومن ثم مؤقتة، أى تزول بزوال مسبباتها، وبتوافر شروط التحول الديمقراطى، أما فى حالة عدم الصلاحية من الأصل فإن الأسباب تكون أبدية، أو بمعنى آخر حتمية تاريخية لا فكاك منها.

دون استغراق فى التنظير، ودون انسياق أعمى وراء تبريرات تجدد الميول السلطوية فى عديد من الدول العريقة فى تقاليد الديمقراطية، فإن أسطورة عدم صلاحية شعوب بعينها للحكم الديمقراطى قد تكرر سقوطها فى جميع أنحاء العالم على اختلاف الثقافات والتقاليد والعقائد والتكوينات الاجتماعية، وعليه فلا حجية يعتد بها لمثل هذه الأسطورة، وعليه أيضا فإن التركيز يجب أن ينصبّ على أسباب عدم الجاهزية للتحول الديمقراطى فى الحالة المصرية، وعلى البحث عن الشروط التى تتيح هذه الجاهزية، والعمل على تحقيق تلك الشروط.

بمقارنة نتائج ثورة يناير 2011، بنتائج ثورة 1919 (التى تحل ذكراها المئوية فى العام المقبل) من زاوية دفع التطور الديمقراطى لنظام الحكم، سوف نكتشف أن السبب الرئيسى لإنجازات ثورة 1919 أن المجتمع كان قد قوى تنظيميا، بما يكفى لإفراز قيادات للثورة، على جميع المستويات، وبما يكفى لموازنة الدولة العميقة، وسلطة الاحتلال معا، وكثيرا ما تفوقت قوة المجتمع على قوة الرجعية فى الدولة.

صحيح أن المجتمع المصرى لم يحقق انتصارا كاملا ونهائيا على الرجعية والاحتلال كنتيجة لثورة 1919، ولكنه قطع شوطا بعيدا فى فرض نفسه كطرف أصيل وفاعل ولا يمكن تجاهله فى معادلة الحكم والسياسة.

أما أسباب قوة المجتمع قبيل وفى أثناء ثورة 1919، وبعدها، فترجع إلى إيمان النخبة بفكرة التنظيم، والتى ثبت جدواها فى استيعاب صدمة الاحتلال البريطانى، ابتداء من الجمعيات الأهلية الخيرية للمدارس والمستشفيات، وتطور النوادى الفئوية كنادى خريجى المدارس العليا، الذى أمد ثورة 1919 بقياداتها الوسيطة، وصولا إلى الأحزاب السياسية، والجامعة الأهلية وبنك مصر، بل وحتى نادى الموسيقى الشرقية والنوادى الرياضية، وخلافه، فضلا عن النقابات المهنية والعمالية، والغرف التجارية واتحاد الصناعات، وكلها نشأت وتطورت بطريقة الانبثاق من المجتمع تلقائيا، وليس بالاصطناع السلطوى.

لا خلاف فيما نظن على أن هذه لم تكن الحال فى ثورة يناير 2011، ولم تكن تلك إلا إحدى نتائج النظام السياسى، الذى أقامه ضباط يوليو 1952، وهو بطبيعته نظام استبدادى اقصائى احتكارى فى السياسة والاقتصاد والثقافة والفكر، يفرض الاستقرار الشكلى من أعلى، فى حين يموج المجتمع والنظام نفسه بالصراعات على كل المستويات، وسط حالة تعتيم وإنكار، ورفض مطلق للمساءلة والرقابة، وإحالة الفشل على المؤامرات الخارجية.

من الطبيعى إذن الا تتخلق فى مثل هذا المجتمع نخبة مدنية قادرة على قيادة الدولة، أو المنافسة على قيادتها، يضاف إلى ذلك أن البيروقراطيين والتكنوقراط من المدنيين المنخرطين فى جهاز هذه الدولة، لم يكونوا يوما ما مؤهلين للمشاركة كأنداد فى القرار السياسى؛ لأنهم يشغلون ويتركون مواقعهم بإرادة أكبر منهم، كما أنهم فى الغالب لا إطلاع لهم، ولا خبرة لديهم بقضايا الأمن القومى والسياسة الخارجية الرئيسية، ومن ثم يصبح منطقيا القول بعدم جاهزية مصر لانتخابات رئاسية تنافسية بالمعنى الصحيح، أى عدم جاهزيتها للتحول اليمقراطى.

لكنها كلها أسباب ظرفية مرتبطة بطبيعة النظام السياسى، وقد قلنا فى فقرة سابقة إن التركيز يجب أن ينصب على إزالة هذه الأسباب، وعلى توفير شروط نجاح التحول الديمقراطى، ولو تدريجيا.

فى مقدمة هذه الشروط، ما سبق أن كتبناه هنا مرارا، وهو الإيمان بالعمل المنظم السلمى من خلال الاحزاب، مع الالتزام بسياسة النفس الطويل، والتركيز على التوافق الاستراتيجى على حساب الخلافات التكتيكية، ومراجعة الاخطاء المتكررة داخل كل حزب، وفى الحركة الحزبية عموما، وفى مقابل ذلك يتعين على الدولة العميقة، قبل أن يكون الأمر بيد غيرها، أن تقتنع بخطورة الاستمرار فى استراتيجية وأد أو إجهاض التنظيمات الديمقراطية المدنية، وسد المنافذ أمامها بالحيل التشريعية، والوسائل الإدارية، والملاحقة الأمنية.

والحقيقة أن الحساسية المفرطة تجاه هذه التنظيمات ليس لها أى مبرر على الاطلاق، إذ لا يتوقع إلا ساذج أن تشارك القوى المدنية بنصيب كبير فى السلطة، أو فى القرار السياسى، فى ظل أفضل شروط المنافسة الحرة.. حاليا، وفى الأجل الطويل المنظور، ولكن هذه المشاركة المحدودة سوف تحقق مكاسب لا حصر لها لجميع الأطراف، إذ سوف تنكسر حدة الاستقطاب، وسوف تتحلى المعارضة بشعور أقوى بالاعتبارات والحسابات الواقعية للسلطة، وسوف تكتسب خبرات عملية تؤهلها لدرجات أعلى من المسئوليات، كما ستكسب الدولة العميقة رديفا مؤثرا فى مواجهة التطرف والإرهاب، والأزمات الإقليمية والدولية.

بافتراض أن التيارات والقوة السياسية المدنية تعرف هذه الحدود القصوى لدورها، وهى بالفعل كذلك، فما الذى يدفع الدولة العميقة للتعاون فى توفير شروط الجاهزية للتحول الديمقراطى؟ الإجابة هى تمثل نتائج العهود السابقة من نظام يوليو، والتى لم تسفر إلا عن «شبه أو أشلاء دولة»، والوعى بخطورة الاستمرار فى هذا المسلك، ثم الوعى بأن حجم المشكلات والتحديات الداخلية والإقليمية والدولية المحيطة بـ100 مليون مصرى أكبر بكثير من أن يواجهها جهاز دولة يعترف بأن مجتمعه غير جاهز، ليس فقط للمنافسات الانتخابية، ولكنه غير جاهز أيضا تعليما وتصنيعا وتحكيما للقانون، وإقرارا بالمسئولية والمساءلة السياسيتين.

نقلاً عن الشروق
المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لسنا جاهزين إذن متى لسنا جاهزين إذن متى



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 16:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
  مصر اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 11:52 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

دعاء المطر والرزق السريع

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 09:29 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج الميزان

GMT 09:41 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العقرب الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:43 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

برج الثور عليك أن تعمل بدقة وجدية لتحمي نفسك

GMT 23:03 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

قواعد وإتيكيت إهداء الورود في المناسبات

GMT 03:25 2022 الجمعة ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

أفضل فنادق لقضاء شهر العسل

GMT 11:51 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

إيهما الأهم القيادة أم القائد ؟
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt