بقلم:عزة كامل
كمثل زهرة نرجس استخلصها ندى الصباح راحت أربعة أفراخ من العصافير تنقر زجاج النافذة بلطف كأنها تبعث إشارة لصاحبة البيت لكى يخبرونها عن قدومهم، تتصاعد النقرات شيئًا فشيئًا، أتت وهى تبتسم وتتجول فى جسدها رعدة تبعث البهجة فى نفسها، كانت تحمل بيدها صحنًا به حبوب، وآخر به ماء، فتحت النافذة وتركتها للعصافير، ملأت رئتيها بهواء الصباح النقى، أغمضت عينيها، سمعت صوت أقدام قريبة ومفاجئة، انقبض قلبها، فهى تعرف أنه لن يتركها تنعم بأى لحظة صفاء، فروحه الحاقدة تتوهج بالشر، وقف أمامها فى مواجهتها بقوام متخشب، ارتجفت لإحساسها بأنه سيبث سمومه وهو يفتح جفنه الساخن ليظهر بياض عينيه الممتلئ بالماء الكالح، اصطدم بها وأحست بيده تلامس ذراعها وتقبض عليها بقوة، وصرخ: «أنا أخوك الفاشل الذى تحتقرونه كلكم، وأنت البنت الذكية الناجحة فى كل شىء: التعليم، والشغل، والعلاقات الاجتماعية، واهتمام الأب والأم... و»، قاطعته بكل حسم، ولم تجعله يفرغ ما فى جوفه من مرارات وتركته. أخذت الأفكار تعصف بها وتمتمت: الحسد يكمن فى صدره كمون النار فى الحجر، أليس الحسد هو أول خطيئة ظهرت مبكرًا، وأول معصية حدثت فى الأرض، ألم يعص أفضل الملائكة ربه، وقال: «خلقتنى من نار وخلقته من طين»، فلعنه الله وجعله إبليسًا، وأما فى الأرض ألم يقتل قابيل أخاه هابيل بدافع الغيرة والحسد، مما جعل ذلك أول جريمة قتل فى التاريخ، ألم يحاول إخوة يوسف قتله وألقوه فى غيابة الجب طمعًا أن يخلو لهم وجه أبيهم وينفردوا بحبه، قالت بصوت عالٍ: «لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب».
اقتحم باب غرفتها بعنف، كان يمسك فى يده سلكًا رفيعًا وهو يضحك ضحكة هستيرية حتى سال دمعه ولعابه وأخذ يردد: «لقد فرغت الحياة منى، فلم يبق إلا أن أفرغ منك»، ثم انتصب كشيطان مارد، رفسها أسفل بطنها، وقبض بذراعه على عنقها، ولف السلك حوله وضغط بقوة، وحاول أن يشل حركتها وهى تحاول أن تمسك يده وترفس بقدميها وسط أناتها الضعيفة التى لم ترحمها، سمع نقرات على زجاج حجرتها، فتح الستارة، كانت عشرات الغربان تنعق بجنون، وتضرب بأجنحتها بشدة، وعيونها تنظر فى اتجاه الجثة الهامدة، فجأة كسرت الزجاج وهاجمته بشكل جماعى وأخذت تنقر عينيه ورأسه، وانضمت إليهم أعداد كبيرة أخذت تحوطه من كل حدب وصوب، ثم فجأة هربت بسرعة وكأن السماء لم تمطر إلا لعنة.