بقلم:عزة كامل
ذات مساء كانت الأمطار تنهمر متسارعة وبدرجة قصوى وثقيلة، والطرق والشوارع تحولت إلى برك كثيرة من الوحل الذى يعوق المارة عن سيرهم، وارتفع ضجيج كلاكسات السيارات المكدسة وراء بعضها، وامتلأ الجو بأصوات صاخبة ودخان كثيف، وبين الحوارى الملتوية كانت هناك ثلاث نساء يسرن بأثوابهن الطويلة السوداء المغلقة عند الرقبة بغطاء رأس أسود مزموم، يمتد إلى ما تحت صدورهن، بدَون كالغربان وهن يحاولن التخفيف من خطواتهن المسرعة حتى وصلت إلى الساحة المقصودة الخالية.
كن يهمسن لبعضهن البعض، ويرفعن بصرهن عند زاوية الساحة حيث يقبع بيت «نسمة»، وهو بيت صغير جدًا من الطوب الأحمر، كانت نسمة مستلقية على السرير بثوبها الأبيض المصنوع من القطن الناعم، وكان رأسها يسبح فى مشاعر وصور غريبة، عيناها المتعبتان مفتوحتان، وهى تطرد شبح الرجال الذين كانت نظراتهم تتركز على جزء من جسمها، نظرات وقحة مخلوطة بوميض من الرغبة المجنونة، حين تقابلها نظراتها التى ترسل فيضًا من النقمة والسخط، والرجال الذين تنفرج أفواهم عن ابتسامة صفراء ونظرات شهوانية حقيرة، كانوا يدورون حولها، ويقدمون لها عروضًا بنظرات موحية، وكم كانت تريد أن تضربهم وتسبهم واحدًا واحدًا، لكن لم تكن لديها قوة لتفعل ذلك، بسبب الخوف من الفضيحة، أو خوفًا من أن يلوك الناس فى سيرتها ويلقون عليها اللائمة.
فى إحدى الليالى كانت عائدة من عملها فى المستشفى متجهة إلى بيتها، وكان كثير من الناس فى الشارع، والمحلات التى مازالت أنوارها مضيئة، كان شخص يسير خلفها يتربص بها، ويلقى كلمات بذيئة على مسمعها، ثم أخذ يقترب منها، وأمسك بكفه جسمها، وجذبها نحوه، صرخت وأخذت تضربه بكلتا يديها وتركله، وتجمع الناس حولهما، ومازالت تصرخ وهى تقول لهم: «القذر ضايقنى، ولمس جسدى، وتحرش بى، لازم آخذ حقى»، حاولوا أن يخلصوه من يدها ويبعدوه عنها ليهرب، لكنها صممت أن تذهب به إلى الشرطة، وفى الشرطة تم فتح محضر وشهد اثنان معها، بعدها حاول أهل المتحرش تسوية الأمر معها لكى تتنازل عن المحضر، حتى لا يتم إحالته للمحكمة، لكنها رفضت، فاستخدموا معها كل أساليب الترهيب والترغيب والابتزاز، وتشويه السمعة، واستعطفوها لأن المتحرش كان متزوجًا، ولديه طفلان، وفشلوا فى إثناء عزمها عن تحقيق العدل، وفى ذات مساء، وفى عتمة ليل كثيفة حاولوا خطفها، ولكنها نجت بإعجوبة، بعد ذلك تغيّرت كثيرًا، لازمها الذعر والخوف وأصبح العالم بالنسبة لها قاسيًا وغريبًا وصعبًا، وشديد البؤس.