توقيت القاهرة المحلي 08:51:17 آخر تحديث
  مصر اليوم -

السلطة اللبنانية وتحدي الخيارات القاتلة!

  مصر اليوم -

السلطة اللبنانية وتحدي الخيارات القاتلة

بقلم:حنا صالح

منتصف عام 1964 كان الرئيس فؤاد شهاب يعد الأيام المتبقية له في رئاسة الجمهورية، عندما زاره نواب «النهج»، وعددهم يقارب ثلثي البرلمان، لإبلاغه اعتزامهم تعديل الدستور لانتخابه رئيساً لولاية ثانية. استمع شهاب إلى الأسباب الموجبة لهذا التوجه لكنه رفض العرض. ثقته بالطبقة السياسية الطائفية كانت قد انعدمت فاستخدم في وصفها الكلمة الفرنسية Fromagistes أي «أكلة الجبنة». وكان يعاين كيفية تجويف الإصلاحات واقتطاع المتنفذين حصصاً لهم في الدولة ومؤسساتها.

استندت التجربة الشهابية إلى رؤية بعثة «إيرفد»، لتطلق موجة إصلاحية بين عناوينها: تقوية الدولة، خلق الفرص ومناخ التنافس الذي يقدم الكفاءات، العمل التنموي للحدِّ من تهميش الأطراف واعتماد الشفافية وترسيخ المساءلة والمحاسبة. واعتمدت التجربة على «تحالف» وجوه سياسية بينها تكنوقراط مع ضباط نالوا ثقة اللواء في تجربته بناء الجيش وحماية الجمهورية. وإلى اليوم يمكن التأكيد أن التجربة التي استحدثت قبل أكثر من 60 سنة ما زالت رغم التشويه تختزل الكثير من العناوين الإصلاحية الجدية.

شهاب الذي غادر الرئاسة إلى العزلة حتى وفاته، لم يكشف موانع اكتمال التجربة، رغم قدرته على الاستشراف. لقد هبطت تلك التجربة على الناس من دون تحضير مناخ شعبي دافع للإصلاح. وعلى مدى عقود استمرت أطراف الطبقة السياسية، لا سيما بعد الحرب الأهلية واتفاق الطائف، تطرح في كل موسمٍ انتخابي عناوين الإصلاح، لتحقيق مزيد من الاستئثار ولتتراجع على الفور عن وعودها.

غير أن الانهيار المالي الاقتصادي المبرمج عام 2019 الذي أشعل «ثورة تشرين»، أماط اللثام عن أدوار التحالف المافياوي في النهب العام وإفقار البلد وتجويع اللبنانيين الذين سُلبوا جنى أعمارهم فطرحت بقوة الإصلاحات الجدية. ضاعف هذا الطرح حرب «الإسناد» التي دمرت البلد واستدرجت الاحتلال مجدداً وأبرزت ثنائية لا مناص منها: جمع السلاح بيد القوى الشرعية وتنفيذ الإصلاح. وتأكد أن لا سبيل للبنان للتعافي من دون بسط سيادة كاملة من دون شريك واستعادة الدولة لسيادتها المالية والاقتصادية.

بعد اتفاق وقف النار قبل نحو 7 أشهر، والذي تضمن تنصيصا دقيقا لخطوات تنفيذية آيلة لسحب السلاح اللاشرعي، وحظي مسبقاً بموافقة الثنائي «حزب الله» و«حركة أمل»، تضافرت عناصر خارجية ومعطيات داخلية أوصلت العماد جوزيف عون إلى الرئاسة لتُطوى صفحة الشغور الطويل، وأدى «تسونامي» شعبي حفّزه أداء نواب التغيير، إلى حمل القاضي نواف سلام إلى رئاسة الحكومة ليطوى الفراغ في السلطة التنفيذية. كان واضحاً البرنامج والأولويات فالبلد لا يملك ترف الوقت: تنفيذ وقف النار ومحوره لا سلاح خارج الدولة ليكون ممكناً خوض مواجهة دبلوماسية لتحرير الأرض، وبدء إصلاحات سياسية اقتصادية، لا يمكن تجاوزها للحصول على دعم هو الفرصة لتحويل الهزيمة التي لحقت بلبنان إلى أبرز عناصر النجاح باستعادة الدولة واستعادة الكفاءات وكسر الدوامة القاتلة.

الممر الحقيقي للتعافي إلى جانب بسط السيادة، يفترض تفكيك سيطرة القوى الطائفية، الممسكة بالمرافق والمؤسسات، المسؤولة عن تجويف الدولة. هذا الأمر الذي لاحظ بدايته فؤاد شهاب تعمق بعد الحرب الأهلية وقانون العفو عن جرائم الحرب واستئثار الطبقة السياسية بمقدرات الدولة ودورها في نهب الودائع. والمفترض أن المسار معروف وهو العودة إلى اتفاق الطائف والدستور للحد من زمن «أكلة الجبنة». لكن على ارض الواقع عاد «حزب الله» إلى سرديات السلاح والمقاومة، فيما بدلت الحرب الإسرائيلية - الإيرانية كل المشهد وانتفت الوظيفة الأساسية لهذا السلاح، وبقاؤه طعن للسيادة وتغذية للفوضى وتغطية للتجاوزات. وتوازياً كانت التعيينات الإدارية تخضع لنهج التحاصص الطائفي الذي أورث البلد كل هذه الكوارث!

الخيارات القاتلة للنهوض تتقدم ويتراجع الرهان على أن لبنان دخل مدار التغيير. تجميد ملف جمع السلاح وتردد في الإصلاح، ويتساءل وزير الثقافة غسان سلامة: «كيف نواجه القوى التي ملأت فراغ الدولة؟» وكيف يمكن تفتيت القوى غير الشرعية التي استولت على مفاصل البلد، بحيث «في كل قطاع هناك ما يشبه عصابة منظمة تدير الأمور وتتحكم فيها»؟ مهم طرح الأسئلة، لكن الوزير مطالب بتقديم الإجابات والعلاج، ولا يعفيه من مسؤوليته طرحه للتساؤلات وهو المدرك أن المخاطر متأتية من السلاح والتحاصص الطائفي.

تعرف السلطة التنفيذية، التي استهلكت سريعاً أوسع تأييد شعبي، أن إعادة تكوين السلطة على مقاس مصالح القوى الطائفية وتعزيز نظام المحاصصة، تبقي البلد في المستنقع. فرسالة تجديد المحاصصة تعني حماية لمن تسلط على الإدارة والقرار وتماثل قوى «الجريمة المنظمة». والخطير أن هذا المنحى عشية الانتخابات العامة يشكل دعماً غير مسبوق لهذه القوى، وفي مقدمها «حزب الله»، لتجديد استئثارها وانتزاع غلبة سياسية على الناس الموجوعة. تراجعت الرهانات التي تجددت بعد 60 سنة على التجربة الشهابية بأن الإصلاح ممكن من فوق لتفتح معه طريق الحداثة والتجديد، فيما الحصيلة الباقية تعطيل قيام الدولة وتشويه الإصلاح وعدم إعادة الحقوق وتعميق الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السلطة اللبنانية وتحدي الخيارات القاتلة السلطة اللبنانية وتحدي الخيارات القاتلة



GMT 08:20 2026 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

عروبة مصر.. بين الشك واليقين

GMT 08:17 2026 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

عندما خسرنا «سراج الدين»

GMT 08:15 2026 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

وكلاء نتنياهو

GMT 08:13 2026 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

أوراقي (21).. مجنون ليلى: «ليه خليتني أحبك»!

GMT 08:11 2026 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

«أم الشعور».. قصة قصيرة

GMT 08:09 2026 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

الصورة.. وما وراءها

GMT 08:07 2026 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

النجاح له وجوه كثيرة!

GMT 10:56 2026 الخميس ,09 إبريل / نيسان

ألوان اللغة

هيفاء وهبي تتألق بإطلالات خضراء مستوحاة من جمال الربيع

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 16:09 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 12:13 2019 الجمعة ,05 تموز / يوليو

مجوهرات صيف 2019 مُرصعة بـ"التانزانيت الأزرق"

GMT 18:46 2019 الأربعاء ,30 كانون الثاني / يناير

سما المصري تُهدّد ريهام سعيد بسبب حلقة الشاب المتحول جنسيًا

GMT 00:26 2019 الجمعة ,04 كانون الثاني / يناير

العظماء الثلاثة: «ناصر وزايد والسادات»

GMT 11:22 2020 الجمعة ,26 حزيران / يونيو

طبيب يوضح تأثير فيروس كورونا على الأطفال

GMT 16:57 2020 الثلاثاء ,26 أيار / مايو

القبض على «فتاة التيك توك» منة عبدالعزيز
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt