توقيت القاهرة المحلي 14:32:37 آخر تحديث
  مصر اليوم -

وهم المعرفة

  مصر اليوم -

وهم المعرفة

بقلم - سوسن الأبطح

مئات ملايين الأطفال في العالم لا يزالون محرومين من التعليم. منهم من يذهبون إلى المدرسة، لكنهم يخرجون دون أن يجيدوا كتابة جملة واحدة. أكثر من 600 مليون مراهق لم يحصدوا من الجلوس في الصفوف سوى تقييد حرياتهم، ومفاقمة ضجرهم. واحد من بين كل عشرة مراهقين في هذا الكوكب لا يتقن المهارات الأولية في القراءة أو الحساب، أضف إلى هؤلاء 250 مليون طفل لم تتح لهم أصلاً فرصة الذهاب إلى المدرسة.
الاجتماع الدولي حول التعليم الذي ينعقد في بروكسل الأسبوع المقبل، لن يناقش التفاوت بين الذكور والإناث على مقاعد الدراسة، ولا جودة التعليم، أو رعاية الطفولة وكفاءة الحضانات، كما جرت العادة في سنوات سابقة، بل سيكون المجتمعون أمام تحدي إيجاد حلول لشعب من الأطفال المهاجرين الذين يتزايد عددهم بسبب الحروب، وأيضاً نتيجة لهرب عائلاتهم من شظف الريف إلى المدينة، وكثير من الأحيان تكون الكوارث الطبيعية بعد التغير المناخي الذي جعل الفيضانات جزءاً أساسياً من أجندات الكوارث، دافعاً رئيسياً. ولهذا؛ فإن التقرير السنوي الذي صدر بالمناسبة عن «الهجرة والنزوح والتعليم»، وكيف يمكن للأمم أن تبني الجسور بدل الجدران في ظل هذه الظاهرة الإنسانية القاسمة، ينطوي على معلومات تستحق التأمل.
العام الماضي فقط تسببت الفيضانات العارمة في نزوح 8 ملايين شخص، وشرّد عدد يقاربهم من الناس، بسبب الأعاصير والعواصف. هذه المرة ليست سوريا ولا العراق اللتين تتصدران لائحة البؤس، وإنما الصين والفلبين وكوبا والهند. فبين «إعصار مورا» الذي ضرب بنغلاديش العام المنصرم و«إعصار إيرما» على المحيط الأطلسي، وما بينهما من عواصف تقتلع الزرع والضرع ساد خراب كثير لم يفرق بين أعراق أو ألوان.
تعددت أسباب النزوح، وتنوعت أشكاله ومناطقه الجغرافية، ومنه ما هو داخلي محلي أو خارجي دولي، لكن النتيجة الكارثية متشابهة. وما يحاول أن يجد له حلولاً 350 وزيراً ومسؤولاً في بلجيكا، هو كيف السبيل لإقناع الدول المانحة، دفع عشرة أضعاف ما ينفقونه حالياً، لتغطية تكلفة تعليم كل هؤلاء المحرومين الصغار من أبسط حقوقهم في المعرفة؟ وكيف يمكنك أن تعتبر التعليم أولوية، لجماعة من الناس ربما، لا تجد سقفاً يحميها، ولا تعثر على ما يسد رمق أطفالها؟ الأسوأ من ذلك، وعلى عكس ما يمكن أن نتوقع فإن الغالبية الساحقة من المهاجرين تنتقل إلى بلدان فقيرة أو متوسطة، وكثير منهم ينزحون داخل بلادهم، ويبدو أن هؤلاء ليسوا أفضل حالاً بكثير.
السنوات الخمس الأخيرة كانت صادمة بموجات النازحين المتلاحقة، والعام الماضي كان مفاجئاً بزيادة عدد اللاجئين إلى ثلاثة ملايين شخص، عن السنة التي سبقتها. وتقدر الهيئات الدولية أن واحداً من بين كل مائة شخص تقريباً في العام بات لاجئاً. وهو الرقم الأعلى على الإطلاق منذ الحرب العالمية الثانية، بكل مآسيها ووحشيتها. ولاجئو اليوم زادوا 50 في المائة عما كانوا عليه منذ عشر سنوات. ومن الخطورة بمكان معرفة أن 11 في المائة فقط من طلاب المرحلة الثانوية اللاجئين إلى دول منخفضة الدخل أو متوسطته، مسجلون في المدارس، وهذا يمكن تلمسه في الدول العربية التي تستقبل سوريين بأعداد كبيرة. والأسباب دائماً هي نفسها، الحاجة إلى العمل لإعالة بقية أفراد العائلة، أو صعوبة التأقلم مع منهج مختلف عن الذي يعرفه الطالب في بلده. لكن صغار اللاجئين ليسوا في منجاة أيضاً، فلم تزد نسبة المسجلين في المدارس الابتدائية في كل البلدان المضيفة المتواضعة الإمكانات على 4 ملايين طفل.
تسونامي اللجوء العالمي المستجد يغير في ديموغرافية بعض البلدان، ويؤثر في ثقافة بعض آخر، ويتطلب فهماً عميقاً، وإدراكاً حضارياً لما سيستتبعه من ردود فعل رافضة أو انقسامات حادة داخل المجتمع الواحد. لهذا؛ فاستقبال اللاجئين لا يمكن أن يحل فقط بتسول احتياجاتهم من غذاء وماء ومسكن من الدول المانحة، فالتعليم أولوية أيضاً، يقول التقرير. ثمة حاجة كذلك، إلى تعديلات حتى في المناهج الدراسية، وإدخال دروس عن الهجرة وأسبابها ومؤثراتها، وكيفية التعاطي مع المختلف، لتفادي صدامات عنفية مستقبلية.
مع نزوح أو من دونه لا بد أن نسبة الأمية بعد تشريد ملايين العرب في السنوات الأخيرة بسبب الثورات والحروب فاقمت نسبة الأمية، لعلها تجاوزت الـ28 في المائة التي تتحدث عنها الهيئات الدولية. فاللاجئون في البلدان العربية التي تستضيفهم، يعرف الجميع مستوى التعليم المتدني الذي يتلقونه فيها، والصعوبات التي يواجهونها. هذا يعني أننا لا نستطيع أن نتوقف عند الأرقام الأممية لنستريح، فما نعيشه من وهم المعرفة التي يحصدها من يذهبون إلى المدارس ويعودون بخفي حنين، هي من أخطر ما يعيشه اللاجئون ومضيفوهم، وهم يتلهون في انتظار غودو.

 

نقلا عن الشرق الاوسط اللندنية

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

وهم المعرفة وهم المعرفة



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt