توقيت القاهرة المحلي 17:47:48 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الذاكرة وسيلة للارتقاء بعالمنا العربي

  مصر اليوم -

الذاكرة وسيلة للارتقاء بعالمنا العربي

بقلم - آمال موسى

كلما كانت الذاكرة الجمعية غنية بالأحداث والشخصيات والمعاني والرموز أثبت المجتمع تجذره في التاريخ والفعل والوجود، ذلك أن جزءاً من عظمة المجتمعات يكمن في تاريخها. غير أن العلاقة بالذاكرة بقدر أهميتها فإنها تحتاج إلى حكمة وعقلانية ومعالجة وعلاج. طبعا لا شك في أن توظيف الذاكرة مظهر إيجابي ومهم. والمجتمعات التي لا تهمل ذاكرتها وتعتني بها هي مجتمعات جديرة بالاحترام والتقدير لأنها تحمي في جزء منها. بل إن الذاكرة المجتمعية والوطنية بما تحمله من رأسمال رمزي فهي مورد من موارد الاستثمار المتعدد الأهداف والمجالات.

في هذا السياق نشير إلى أن المجتمعات العربية بحكم عراقتها في الحضارة الإنسانية فإننا أمة تمتلك ذاكرة غنية وثرية. وكل بلد على حدة له ذاكرة مخصوصة تمكنه من القيام بعمليتي الاستثمار والتوظيف المطلوبتين. من المهم الإشارة إلى أن الذاكرة الغالبة في بلدان عربية إسلامية عدة هي المتصلة بمعارك التحرير الوطني التي تمثل الذاكرة الأكثر قرباً تاريخياً وأيضاً هي الذاكرة الأكثر قابلية للتوظيف في شتى المواقف. ويكاد لا يخلو أي مقرر بيداغوغي في المدارس العربية اليوم من تفاصيل مقاومة الاستعمار ومعارك التحرير الوطني بكل تفاصيلها.

السؤال اليوم هو حول منهجية التصور الذي يجب أن نبنيه مع الذاكرة الوطنية. فالأمر مهم جداً ومورد ثراء واستثمار، ولكن إذا لم يحظَ بمنهجية حكيمة وعقلانية فإن الاستثمار في الذاكرة يمكن أن يتحول إلى مورد للسلبية والاحتقان. فالحكمة تقتضي أن يتم استدعاء الذاكرة على نحو يخدم الحاضر والمستقبل مع قدرة على التركيز وتقديم ما يندرج ضمن الأهداف المرجوة ويؤسس لتفاعلية إيجابية. ليس المقصود من الحديث عن الحكمة والعقلانية في استحضار الذاكرة الوطنية تزييف الوقائع ولكن التركيز على أن كل ما يؤسس للقطيعة لا يمكن أن يكون في صالح أي طرف.

إن الإمعان في التفاصيل الموجعة في الذاكرة الوطنية قد يمثل أداة تنفيس للأجيال التي عايشت ويلات الاستعمار ودفعت من أجسادها وفلذات أكبادها كثيرا من الألم والقهر، ولكن هل الإمعان في استحضار الأوجاع وتصوير البشاعة الاستعمارية يمكن أن يساعد الأجيال الشابة العربية على الحوار مع الآخر وبناء هوية صحية متوازنة باعتبار أن الإمعان ينتج هوية غير صحية في حالة احتجاج مستمرة وتبني علاقات مأزومة؟

طبعا ليس المقصود محو البشاعة من التاريخ. فالتاريخ يكتب بتفاصيله وبكل ما فيه من قبح إذا كان القبح واقعاً، وهذا مجاله الكتب التي يتعاطى معها المختصون والذين يمتلكون أدوات الفهم والمقاربة والتقويم. في حين أن المعلومات والصور نفسها عندما يتم توظيفها في أطر مفتوحة للجميع على غرار وسائل التواصل الاجتماعي فهي ستنحرف من مجال العرض التاريخي إلى مجال آخر.

فالفرق بين سرد التاريخ وبين الإمعان في سرد المناطق الموجعة البشعة كبير جداً.ولا يفوتنا أن الشباب مرحلة عمرية حساسة وخطيرة جداً؛ إذ إنه في هذه المرحلة العمرية يتم بناء الهوية الذاتية والجمعية وكلما كانت عملية البناء مشحونة بالأوجاع والصور السلبية كانت هوية الشباب مليئة بالتعثرات والهشاشة. وفي هذا السياق تحديداً بشكل خاص فإن انتداب ملايين الشباب العربي والمسلم قد وظف الأرضية النفسية الحاملة لاستعدادات معاداة الآخر تماماً كما تم توظيف الهشاشة الاقتصادية للشباب الذي وقع في فخ تجار الموت.

فالعملية خطيرة وتحتاج إلى انتباهة ووقفة تأمل؛ فنحن قبل أن نستغرب ونصاب بالصدمة من انحراف الشباب إلى الإرهاب والعنف من المهم أن نقوم بعملية نقدية صريحة معمقة حول دور مضامين الخطاب الثقافي العام والخطاب البيداغوغي التربوي في مادة التاريخ وإلى أي مدى تسهم هذه المضامين في إنتاج شباب متأزم حضارياً ووارث لأحقاد تمنعه من المضي قدماً في بناء هوية متصالحة مع الواقع والحاضر. يبدو لنا أن قيمة سرد الذاكرة في إظهار مظاهر الصمود التي تؤصل للهوية ولا تكمن هذه القيمة في التركيز على ما تمت معاناته إلا من زاوية تثمين المنجز التاريخي من ناحية الحفاظ عليه والبناء عليه. فبين استعراض بطولات الأجداد وصمودهم وبين تشكيل نفسية انتقامية شعرة واحدة.

نحتاج فعلاً إلى علاقة قوامها الحكمة والعقلانية وإلى الاستثمار فقط في الإيجابي وفيما يسهل التعامل مع الذات والآخر ويسهم في بناء علاقات قادرة على التّجاوز والبناء والاستئناف. فالذاكرة تعتمل بكليتها بشكل تلقائي وطبيعي وعند قرار توظيفها، فمن مصلحة الشعوب والنخب المتعلقة بالمستقبل وبالحوار وبالتواصل بدل القطيعة أن تستثمر في صمود الأسلاف وبطولاتهم وتسرد الأوجاع من باب إظهار التضحيات وتثمين الدماء التي نزفت وليس من باب يمكن أن ينحرف إلى بناء هوية معطوبة.

إن الذاكرة مورد قوة، ومهما كانت الأحداث العاصفة داخلها وقدرة النخب الفكرية والفنية والثقافية تظهر في جماليات التوظيف.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الذاكرة وسيلة للارتقاء بعالمنا العربي الذاكرة وسيلة للارتقاء بعالمنا العربي



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt