توقيت القاهرة المحلي 01:26:08 آخر تحديث
  مصر اليوم -

التكلفة الباهظة للفقر

  مصر اليوم -

التكلفة الباهظة للفقر

بقلم:د. آمال موسى

عادة ما تكون مبرّرات الإخفاق في مواجهة ظاهرة الفقر والقضاء عليها ذاتَ بعدٍ مادي: نقص الاعتمادات وضعف الموارد وضعف الاستثمار والتشغيل. وهي مبررات مقنعة إلى حد كبير إذا ما تعاملنا معها وفق المنوال الكلاسيكي لمقاربة الأشياء.

ولكن هناك أسئلة وأجوبة تحتاج إلى إعادة صياغة، ومن ثم استنتاجات جديدة، من ذلك: هل تفكر بلدان العالم التي تعاني من هذه الظاهرة، وكم هي كثيرة، في حصر تكلفة الفقر وتوصيفها. أغلب الظن أنَّها تكلفة باهظة جداً. فالفقر تكلفته بملايين المليارات وهو ما يستدعي بالفعل طرح هذا السؤال لأنَّه سؤال يمس فلسفة المقاربة ومنهجيتها.

بل إنَّه كما تفطن العالم من خلال بعض البلدان إلى إطلاق دراسات نوعية مهمة لتحديد التكلفة الاقتصادية والاجتماعية للعنف ضد المرأة، فإنَّه سيكون من المجدي أيضاً التفكير جدياً في إطلاق دراسات في هذا المنحى حول تكلفة الفقر سواء التكلفة الاجتماعية أو الاقتصادية، وبلغة أخرى: كم تنفق البلدان التي تعاني من الفقر على الفقر.

إذن، هنا نسجِّل تحولاً في الفهم لمعضلة الفقر. الفقر بوصفه نتيجةً وليس سبباً. وهو ما يقتضي قلب عملية التفكير برمتها. ذلك أنَّ الفقر هو نتاج عدم الاعتراف بالفقر وهو فقير قبل أن يصبح فقيراً.

السؤال بكل بساطة هو: كم ينفق العالم على الفقر أولاً وعلى تداعياته؟

لنبدأ بالميزانيات التي تخصصها الدول للفقراء والمحتاجين والذين يعيشون في خصاصة. إنَّها اعتمادات مهولة جداً وبحساب الفقير الواحد هي زهيدة جداً لأنَّ عدد الفقراء كبير وفي ازدياد من سنة إلى أخرى. وهذا ما يؤكد أنَّ كل ملايين المليارات التي تصرف في شكل مساعدات لطرد الجوع ومقاومة البرد ليست ذات شأن، رغم ما تمثله على الدول من إرهاق ونزف. المشكلة في أنَّها اعتمادات دون عائد وليست من أجل الاستثمار.

طبعاً لا توجد دولة مهما كانت غنية دون فقراء، ومن واجب الدول ألا يموت الفقراء جوعاً، لأنَّ كل فقير له حق في وطنه ويتقاسم ملكية الوطن.

فالمشكل هو كيف تنجح الدول في وضع أنظمة حياتية، ومنوالٍ تنموي لا يقصي أحداً ويعترف بالجميع، والاعتراف يضمن الحد الأدنى من العيش اللائق والعمل اللائق.

إذن، الفكرة الأولى هي كيف تصبح الدول غير مجبرة اجتماعياً وإنسانياً وأخلاقياً وحقوقياً على تقديم المساعدات للفقراء؟ وطبعاً الإجابة واحدة لا ثاني لها: بالقضاء على الفقر ينقطع نسل الفقراء، ومن ثمّ لن تُرصد لهم، بحكم انعدام وجودهم، اعتمادات وميزانيات ضخمة.

لنأتِ إلى الفكرة الثانية: تكلفة الفقر من ناحية تداعياته. ذلك أنَّ الفشل الدراسي والانقطاع عن الدراسة لأسباب اقتصادية لهما تكلفة باهظة يدفعها المجتمع. فالطريق نحو الانحراف والجريمة مفتوحة على مصراعيها أمام هؤلاء وغيرهم. ناهيك عن أنَّ الذين لا يُعترَف بهم اقتصادياً ولا تقوم الدول بفتح قنوات إدماج لهم في الدورة الاقتصادية سيكونون لقمة سائغة للتطرف والجريمة والعنف والإحباط والاحتقان... وعندما نتطرق إلى تكلفة تداعيات الفقر فإنَّ لا دولة قادرة على تحديدها على نحو واقعي، لأنَّ ذلك يستدعي حتى احتساب ما تخسره الدول جراء العنف والإرهاب في كل المجالات.

المؤكد أنَّ التكلفة باهظة إلى حد لا يمكن احتسابه بالأرقام. والجهد الذي سيضيع في تحديد تكلفةٍ لن تكون دقيقةً مهما كانت دراسة التكلفة دقيقةً، من العقلانية أن يذهب إلى التفكير في معالجة ذات جدوى لتلك التداعيات. وهنا تكون الحاجة إلى وضع خطة تنفيذية خاصة بكل دولة حول كيفية معالجة تداعيات الفقر، إذ إنَّ في هذا التمشي تضييقَ الخناق على آفة الفقر، وأيضاً معالجة للأسباب من خلال مداواة التداعيات.

لا بد من برامج تنمية اجتماعية عالية المنهجية والأولوية والجدوى: كيف نضمن الحق في التربية والتعليم للجميع دون استثناء؟ كيف نقضي على الانقطاع المبكر للأطفال عن الدراسة؟ كيف ندعم قدرات الأولياء معرفياً واقتصادياً لتأمين الحد الأدنى من حاجيات أطفالهم؟

كيف نربي أطفالنا على الطموح، ونبذ المستحيل، وفكرة الممكن، والحلم، والمثابرة، وتقدير الجهد، وتقديس العمل؟

هكذا يتم التخفيض من الفاتورة الباهظة للفقر وتداعياته، وما تنتج عنه من مشاعرَ سلبية وأفكار دونية انتقامية سادية.

المجد للتربية والتعليم، المجد للعمل، المجد ليدٍ لا تُمدّ.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التكلفة الباهظة للفقر التكلفة الباهظة للفقر



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 15:55 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

حمادة هلال يقدم المداح 7 في رمضان 2028
  مصر اليوم - حمادة هلال يقدم المداح 7 في رمضان 2028

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 09:30 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

ويليامز تقبل بطاقة دعوة لبطولة إنديان ويلز

GMT 13:21 2019 الأحد ,29 أيلول / سبتمبر

كيف ساعدت رباعية الاهلي في كانو رينيه فايلر ؟

GMT 21:01 2019 السبت ,13 تموز / يوليو

أبرز تصاميم الحزام العريض لموضة صيف 2019

GMT 12:49 2019 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

مدافع دورتموند يحذر من جرح شالكه قبل الديربي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt