توقيت القاهرة المحلي 14:37:54 آخر تحديث
  مصر اليوم -

من القرية الصغيرة إلى الاقتصاد الصغير

  مصر اليوم -

من القرية الصغيرة إلى الاقتصاد الصغير

بقلم:د. آمال موسى

دائماً ما يتناول الخطاب الفكري العام مفهوم التغيير الاجتماعي بوصفه من الموضوعات السوسيولوجية الكبرى واختصاصاً بذاته يهتم بالمفاهيم الخاصة به والفاعلين في عملية التغيير الاجتماعي وسيرورة التغيير الاجتماعي وخصائصه، بل إنّ تفسير الانتقال من مجتمعات ما قبل الحداثة إلى الحداثة تعرض بالأساس إلى أثر الثورتين الصناعية والفرنسية في إحداث تغيير اجتماعي أدى بدوره إلى مجموعة من التغييرات التي شملت حقول الفعل الاجتماعي كافة.

اليوم إلى أي مدى نحن قادرون على فهم التغييرات الاجتماعية من دون أن نضعها أكثر من أي وقت مضى في ارتباط وثيق بالتغييرات الاقتصادية. ويمكن الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك، ونقول إن التغييرات الاقتصادية هي المنتجة في العصر الحالي للتغييرات الأخرى.
العالم اليوم في قلب التغييرات الاقتصادية. هناك زلزال اقتصادي يهز العالم في غفلة عن كل العالم باستثناء الفاعلين الكبار في هذا الزلزال الذين يدركون جيداً ما يفعلون.
قد يرى الكثيرون في هذا التدقيق بداهة، ولكننا نعتقد العكس تماماً: من المهم جداً أن نضع هذا المعطى الكبير جداً نصب أعيننا، وأن نفهم ما يجري ومسار عملية التغيير الحاصلة اليوم في كل شيء في هذا المضمار. ومن دون هذا التدقيق، فإن عملية الفهم ستظل مشوّشة، والأخطر هو أن هذا الغموض ولّد انعكاسات سلبية جداً على كيفية التعامل مع التغييرات الاقتصادية التي لا ينفع معها الرفض بقدر ما ينفع معها التفاوض الفاهم والمسؤول.
الخطر اليوم يمس لقمة عيش مليارات من النّاس على كوكب الأرض. لا أحد من كثير من هذه المليارات يستطيع الصمود الكامل أمام التغييرات الاقتصادية الحاصلة. والذكاء يفترض تعزيز الصمود لمواجهة هذه التغييرات وإعادة تدويرها وفق طبيعة أي اقتصاد وما يمتلكه من موارد بشرية وطبيعية.
ولا نبالغ إذا ما قلنا إن الجزء الوافر اليوم من السلم الاجتماعي أصبح رهين فهم التغييرات الاقتصادية الحاصلة في العالم؛ لذلك فإن الفهم حلقة أساسية في عالمنا اليوم أمام سرعة وتيرة التغيير، وموضوعات التغيير التي تمس الحق في الحياة وتوفير الأساسيات المادية للعيش. وهنا نلحظ أن التغييرات الاقتصادية العالمية قد انتقلت بنا من أنموذج خلق الثروة لتحقيق الأحلام التنموية إلى خلق الثروة للعيش.
طبعاً هناك من يرى أنه من الخطأ التعاطي مع التصور الاقتصادي الراهن كأمر واقع، وأنه يمكن إحداث قطيعة معه، والتفكير اقتصادياً بأسلوب مختلف. وهو في الحقيقة نظرياً موقف يحمل وجاهة، ويرتكز على إخفاقات الفكر الاقتصادي للقرنين التاسع عشر والعشرين، ولكن كما نعلم فإنه حتى القطيعة - وأي نوع من القطيعة - لا تكون بين ليلة وضحاها، بل شيئاً فشيئاً؛ أي تدريجياً، خاصة أن المعنيّ بهذه القطيعة ليس فرداً، بل مجتمع كامل.
إذن، لا مفر من التعامل مع التغييرات الاقتصادية وبسرعة باعتبار أنّها ستشمل الاجتماعيّ بشكل عام. وأول خطوة في الفهم هو الحديث عما يجري في العالم اقتصادياً بشكل عقلاني وعلمي ودقيق.
إنّ نقل الخبر الاقتصادي من دون الإجابة عن سؤالي: لماذا وكيف، يظل نقلاً منقوصاً.
يجب ألا نقلص من أهمية الفهم؛ لأن التغييرات الاقتصادية تمس الحياة اليومية للناس، وتمس جيبهم وتمس وضعيتهم الاقتصادية والاجتماعية.
نعتقد أنه من المهم أن نبذل مجهوداً كبيراً في فهم التغييرات الاقتصادية؛ وذلك لسببين: حتى يكون التعامل معها عقلانياً من الأطراف كافة، وأيضاً حتى نضع الاستراتيجية اللازمة للمواجهة وتعزيز الصمود.
لا شك في أن التغييرات الاقتصادية الحاصلة اليوم هي نتاج صراعات دولية أملت تحولات قسرية وفجائية، ولكنّها أيضاً بقدر ما تحتم هذه التغييرات الانصياع لها، خاصة عندما تمس القوت والخبز، فإنها تظهر أن عبقرية شعوب العالم تدفع الشعوب العبقرية إلى التفكير في سبل تحقيق مناعة ضدها.
شيء ما يدعونا للعودة للاستثمار في خيرات الأرض في بلداننا والبلدان السائرة في طريق النمو، وحتى التي لا تزال بعيدة جداً عن الركب. كي نسلم من تداعيات صراعات العالم، أو كي تكون تداعيات صراعات القوى الكبرى وحساباتهم أخف وطأة على اقتصاداتنا وعلى مجتمعاتنا؛ لا مفر من التعويل على الذات، وجعل العيش في ارتباط بالإنتاج الوطني الداخلي. بمعنى آخر، فإن خطر التغييرات الاقتصادية سيظل قائماً ومتواصلاً ومتوقعاً كلما كانت الواردات تتضمن الأمن الغذائي الذي يرتبط به الحياة والموت.
المطلوب ليس هيناً: التفاعل العقلاني وفهم التغييرات الاقتصادية والتعاطي معها عقلانياً. ولهذا تكلفة وشروط، أهمها التقشف وبناء سلوك استهلاكي جديد، وأيضاً في نفس الوقت وضع منهج اقتصادي أقل تبعية وأكثر اعتماداً على موارد البلاد وخيرات الأرض.
صحيح أن العالم أصبح قرية صغيرة بحكم تطور وسائل النقل وتكنولوجيا الاتصال الحديثة، ولكن أيضاً الصراعات حولت العالم إلى اقتصاد صغير، بخلاف ما يعنيه معنى القرية الصغيرة. هناك الصغر بمعنى تضييق الخناق!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من القرية الصغيرة إلى الاقتصاد الصغير من القرية الصغيرة إلى الاقتصاد الصغير



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 09:30 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

ويليامز تقبل بطاقة دعوة لبطولة إنديان ويلز

GMT 13:21 2019 الأحد ,29 أيلول / سبتمبر

كيف ساعدت رباعية الاهلي في كانو رينيه فايلر ؟

GMT 21:01 2019 السبت ,13 تموز / يوليو

أبرز تصاميم الحزام العريض لموضة صيف 2019

GMT 12:49 2019 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

مدافع دورتموند يحذر من جرح شالكه قبل الديربي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt