توقيت القاهرة المحلي 09:14:50 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مأزق «بي بي سي» وترمب

  مصر اليوم -

مأزق «بي بي سي» وترمب

بقلم: عادل درويش

هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) التي تأسست 1922 أصبحت جزءاً من الهوية الوطنية وفي الحياة العامة تلعب دور المنارة الفكرية، وتشكل ملامح الجدل السياسي.

وأصبحت خدمتها العالمية مصدر ثقة خصوصاً في بلدان تفتقر إلى حرية الصحافة. وكثيرون حول العالم تشكل وعيهم السياسي الأول عبر موجات أثيرها، قبل أن تتاح لهم نافذة أوسع على العالم.

«بي بي سي» اليوم في أزمة بسبب البيروقراطية الثقيلة من جهة، وثقافة غرفة أخبار منغلقة على نفسها من جهة أخرى. استقالتا مديرة الأخبار ديبورا تورنيس، والمدير العام تيم ديفي، عادة ما تهزان أي مؤسسة كبرى، إلا أن «بي بي سي» بحجمها وتركيبتها وتعقيد بنيتها، تحاول التعامل مع الزلزال كأنه «هزة ارتدادية» في بنيان من طبقات متراكمة من اللجان والمجالس.

مجلس إدارة «بي بي سي» يتكون من الرئيس وثلاثة عشر عضواً. ثمانية من داخل الهيئة، وخمسة تعينهم الحكومة، بينهم روبي غيب (تعيين بوريس جونسون ومتهم بنفوذ سلبي تجاه الصحافيين)... البناء الهرمي لديه ميزانية ضخمة ستة مليارات جنيه، ودخل الرخصة الإجبارية لعام 2024 - 2025 يقارب أربعة مليارات جنيه. أي لا تواجه ضغوطاً تعانيها المؤسسات الإعلامية التي تعتمد على رضا جمهورها وثقته.

منابر اليسار الليبرالي تصور الأزمة كهجوم «تكتل يميني» يستهدف «بي بي سي». وهي سردية تتجاهل جوهر المشكلة؛ فالأزمة لم تخلقها «مؤامرة يمينية» وإنما نتيجة نمط طويل من التحيزات الثقافية المتراكمة، ومن عقلية جماعية ترى العالم بمنظار نخبوي، ليبرالي يساري لندني، يحجب الصوت المخالف.

الأزمة الأخيرة سببها عمل «مونتاج» متحيز لخطاب الرئيس دونالد ترمب في 6 يناير (كانون الثاني)2021 بانتقائية «لا تقربوا الصلاة...» في برنامج «بانوراما»، بدمج مقطعين فصلت بينهما خمسون دقيقة، ليبدو الرئيس السابق محرضاً مباشراً علي أعمال العنف.

وهناك سوابق، ففي 2007 حررت «بي بي سي» لقطات خارج السياق بدت وكأن الملكة إليزابيث الثانية وقتها غادرت جلسة التصوير احتجاجاً، وهو ما لم يحدث. «بي بي سي» اعتذرت وقتها، وواصلت العمل وكأن شيئاً لم يكن وبراءة الأطفال في عينيها!

الأزمة الحالية كان يمكن احتواؤها قبل تحولها إلى عاصفة سياسية وإعلامية، فالمستشار التحريري ديفيد غروسمان نبه لجنة الإرشادات والمعايير في «بي بي سي» في يناير هذا العام، لأنه كمراسل في واشنطن في 2021 كان يعرف الخطاب الأصلي، ولو اتخذ إجراءً سريعاً وقتها لكان بالإمكان تجنب تهديد ترمب بدعوى قضائية (ومليار دولار تعويض) قد يمولها المواطنون دافعو الرخصة.

في الاجتماع اليومي مع «داوننغ ستريت»، أول من أمس، وإجابة عن سؤال ما إذا كان رئيس الوزراء كير ستارمر سيناشد الرئيس ترمب قبول اعتذار «بي بي سي» والتنازل عن المطالبة بالتعويض؟ قال السكرتير الصحافي إن «بي بي سي» لم تطلب مساعدة الحكومة. وكانت وزيرة الثقافة والإعلام ليزا ناندي قالت إن «بي بي سي» تحرص على استقلالها.

مأزق «بي بي سي» أن تدخلَ الحكومة قد يشكلُ سابقةً تكررُها يهدد استقلاليتها.

وكان تقرير داخلي مطول أعده مايكل بريسكوت، المستشار السابق للجنة الإرشاد، كشف أبعاداً أعمق للأزمة. التقرير الذي تجاهلته اللجنة لخمسة أشهر حتى كشفت عنه «ديلي تلغراف» أشار إلى انحيازات واضحة في تغطية إسرائيل وفلسطين وقضايا المناخ، والمتحولين جنسياً، والخلافات الإثنية والهجرة، وحتى في اختيار الضيوف. وأشار إلى أن الخدمة العربية تختلف في نبرة تغطيتها عن الخدمة الإنجليزية، وتعكس المزاج السائد في شبكات التواصل بالمنطقة، حيث يغلب عليه العداء لإسرائيل والارتياب من الغرب.

وكان المتفرجون يشكون من الانحياز في برامج حوارية حيث طغت أصوات ليبرالية يسارية ومن تيارات تتجاوز حضورها البرلماني الفعلي، كتكرار ظهور نائبة حزب الخضر الوحيدة وتجاهل أحزاب نوابها أكثر عدداً.

اللائحة الملكية لعمل «بي بي سي» ستجدد في 2027، وهو ما يواجهه الهيئة باختبار صعب. فهز ثقة الرأي العام سيقود إلى ضغوط سياسية قد ينجم عنها تغيير نموذج التمويل، أو جعل دفع الرخصة اختيارياً، أو إعادة هيكلة المؤسسة. سيناريو ليس في المصلحة البريطانية ولا العالم الذي لا يزال يحتاج إعلاماً رصيناً بحجم «بي بي سي».

الحفاظ على الهيئة واستقلاليتها يتطلب الاعتراف بالأخطاء ومعالجة التفكير الجماعي في صالات الأخبار، وإعادة التوازن المهني، والوعي بأن السمعة التاريخية لا تمنح الهيئة حصانة دائمة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مأزق «بي بي سي» وترمب مأزق «بي بي سي» وترمب



GMT 09:56 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ردّة أخلاقية

GMT 09:55 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

أميركا... ثقافة قديمة وعادية

GMT 09:53 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عن الحالتين الفلسطينية والسودانية

GMT 09:52 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... جولة جنوبية للطمأنة

GMT 09:50 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران

GMT 09:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... المطلوب إصلاح جذري قبل الانتخابات

GMT 09:45 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ينجح ترمب في تفكيك قنبلة نتنياهو؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt