توقيت القاهرة المحلي 21:27:34 آخر تحديث
  مصر اليوم -

زلزال في حواس الحروف

  مصر اليوم -

زلزال في حواس الحروف

بقلم : عبد الرحمن شلقم

كل ما على الأرض يهتز دون توقف، في الأجساد والأرواح وكذلك في الأشياء. لكن عندما تهتز الأرض، وتضرب حشرجتها ما فوقها، وتتهاوى السقوف التي تعتلي البنيان الحامية للبشر كباراً وصغاراً، تحل طامة الموت والدمار والرعب. الزلازل من ضربات الطبيعة التي لا يمكن رصدها وقياس درجاتها إلا بعد أن تضرب ضربتها وتكسر الحجر وتقتل وتجرح البشر. كل زلزال أينما حدث، تمتد ارتداداته إلى البشر أجمعين، القريب منهم والبعيد عن مكان الكارثة. الأرض هي بيت العائلة البشرية، بعيداً عن الأعراق واللغات والصراعات. في كوارث الحروب يختلف الناس، فلكل اصطفافه. وينقسم الناس فيها بين مادح وقادح، مؤيد ومعارض، لكن عندما تغضب الأرض وتضرب مَن يعيش فوقها، تتعانق المشاعر، ويتوحد الألم والحزن والتعاطف في النفوس القريبة والبعيدة عن مكان الهزة الأرضية. الأماكن لها أجساد وقلوب وحواس. بعضها كائن حي تراه وتشعر بأنه يراك، ويبدع لغة خاصة لكل مَن يعيش فيه أو يقترب منه. مراكش المدينة التي كانت، لقرون طويلة، هي الاسم للبلاد التي تحمل اليوم رسمياً اسم المغرب. في اللغات اللاتينية ما زال الاسم هو الاسم (MORROCO). ضرب وسطها وبلدات حولها، مساء يوم الجمعة 8 سبتمبر (أيلول)، زلزال راح ضحيته المئات من النساء والرجال الكبار والصغار، وتهاوت مبانٍ بناها البشر ولوَّنها الزمان، وسكب فيها التاريخ عظمة مَن عاش فيها. مراكش التي كل ما فيها ومَن فيها لديه ما يقول. ساحة جامع الفنا التي تتوسط المدينة هي إبداع إنساني يحمل لغة تتحرك على صفحة الوجود الصغير الموصوف. كبار وصغار بسطاء، منهم مَن يداعب حيوانه برقة صديق؛ القرود والأفاعي وغيرها من الكائنات. نظرات مروّضها وبسماته تهب الزائرين موجات من الفرح، وتزجي البسمات. عازفو الموسيقى، كل ما فيهم يشكل فرقة طرب تأسر الواقفين والعابرين. هؤلاء الطيبون البسطاء لا يبيعون لك شيئاً بمقابل مالي، بل هم مَن يتصدق عليك بما تقدمه لهم من دراهم معدودة. التجار وأصحاب المطاعم الصغيرة، والرجل المبتسم الذي يعتلي حنطوره، والسادة والسيدات التي تعج بهم المدينة، كل واحد منهم كتاب يتحرك ويبتسم، ويمد لك حبل إخوة ومودة وتسامح. مدينة مراكش التي هي التعبير المكثف عن كل ما في المغرب ومَن فيه من عرب وأمازيغ وجود قديم لا يطاله صداء العاديات من السنين. العلم والفلسفة والإبداع والفتوحات والجهاد والأدب والفن وروعة التعايش والتسامح. عندما تهتز أرضها، تهتز قلوب الملايين، ليس من أشقائهم غرباً وشرقاً فقط، بل كل مَن يقابلهم على الضفة الأخرى القريبة والبعيدة من البحر الأبيض المتوسط. هل كانت تقوم حضارة الأندلس الإنسانية التي أبدعها المسلمون واليهود والمسيحيون دون مراكش، حيث كان ابن رشد وابن حزم وموسى بن ميمون وابن عربي وزرياب وابن زيدون وولّادة، وعشرات بل مئات غيرهم؟

الامتداد الإسلامي في غرب قارة أفريقيا بمذهبه المالكي، وانتشار الطرق الصوفية فيها واللغة العربية، كل ذلك كان سيلاً من نبع مراكش الفريد. هذا النبع لا ينضب أبداً. الفلاسفة والمفكرون والأدباء والكتاب والفنانون، يعبر عطاؤهم كل الحدود باللغة العربية والفرنسية والإسبانية.

عندما تهتز أرض مراكش وما حولها، تهتز معها مشاعر في المشرق والمغرب؛ فلها في القلوب منازل. الزلازل تسقط المباني ويموت تحت الركام البشر، ويسود الحزن، ويهبّ القريب والبعيد لإنقاذ المصابين، لكن زلزالاً عنيفاً يهز الاسم أيضاً، لا البنيان فحسب. المدن لها بنيان رفعته حجارة التاريخ وطين الإبداع وماء الفكر وجهد العقل عبر سنين طويلة. عندما تهتز مراكش وتتهاوى مبانيها، تميل حواس بغداد وتونس والجزائر والقاهرة والرياض والطرابلسيان في الشرق والغرب والخرطوم وغيرها. في كل هذه البقاع هناك كثير مِن حروف مراكش ومِن عطرها وأنغامها وأصوات عقلها. الزلازل تقاس بما يسمى بمقياس «ريختر»، لكن هناك ترمومتر إنساني له درجات لا يقرأها علماء الجيولوجيا، بل يتحسسها ويقرأ عداد درجاتها مَن يجوب رحاب زمن المكان المهتز، ويعبر إلى ضفاف وجبال سهول وأعماق، الكائن المكان...

قد يهون العمر إلا ساعةً...

وتهون الأرض إلا موضعا

هكذا تحدَّث أمير الشعراء أحمد شوقي.

المصاب جلل؛ فالضحايا إخوة، والبلاد غالية، والاسم له جذور وفروع هي مبانٍ لا يطالها اهتزاز، لكن القلم الذي يقترب من النازلة محاولاً أن يكتب عما أصاب مراكش وأهلها، تضربه هزة بمقياس أقسى وأشد مما يكتبه مقياس «ريختر».

زرتُ مراكش مرات ومرات، لكن في مناسبة لا يمكن أن تغادر الذاكرة. أُقيمت في جامعة القاضي عياض بمدينة مراكش سنة 1983 ندوة شارك فيها مفكرون وساسة ومثقفون عرب، وكان من بينهم المفكر الدكتور محمد عابد الجابري. كان موضوع الندوة سياسياً وفكرياً يناقش ما يشهده العالم العربي من أزمات، وهل لمخرج من سبيل. كان للمكان حضور طاغٍ. تحدث بعض الإخوة المغاربة عن شخصية مراكش التي صنعها التاريخ وصنعته. أقول إن ما استفدت منه في تلك المناسبة من معلومات تاريخية وثقافية وسياسية عن مدينة مراكش أهم بكثير مما استفدت من الأحاديث والنقاش في الجلسات الرسمية لتلك الندوة التي أعادت ما يقال في كل الفعاليات التنظيرية التي تناقش ما تشهده منطقتنا من أزمات لا ترحل.

اليوم، كل العواطف والمشاعر والأقلام هي بوصلة تتجه نحو مراكش وأهلها تشاركهم ما حل بهم من مصاب جلل، ويهتز الوجدان الذي طاله الزلزال الذي ضرب مراكش... البشر والمباني والمعاني.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

زلزال في حواس الحروف زلزال في حواس الحروف



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 09:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 08:59 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 00:27 2019 السبت ,11 أيار / مايو

تدخل الاتحاد التونسي في قرارات الكاف

GMT 22:37 2019 الإثنين ,18 آذار/ مارس

" ابو العروسة " والعودة للزمن الجميل

GMT 00:22 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ديوكوفيتش يعترف بتقلص فرصه في حصد الألقاب الكبرى

GMT 15:00 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

الإسماعيلي يفتقد 5 لاعبين أمام الزمالك في الدوري

GMT 22:53 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

تعرف على قائمة الرؤساء التاريخيين للنادي الأهلي

GMT 11:05 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

10 أماكن منسية في منزلك تحتاج إلى تنظيف منتظم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt