توقيت القاهرة المحلي 12:10:29 آخر تحديث
  مصر اليوم -

إسرائيل الثالثة

  مصر اليوم -

إسرائيل الثالثة

بقلم : عبد الرحمن شلقم

إسرائيل اليوم في عقدها الثامن من العمر. تطورت عبر مراحل ثلاث في عالم تغيرت فيه موازين القوة والتحالفات. العرب أيضاً لحقهم التغيير من الاحتلال إلى الاستقلال. تعالت شعارات الوحدة، وتحرير فلسطين، ورفض وجود دولة إسرائيل. لكن صراع العرب فيما بينهم، بقي على حاله كما كان بين قبائلهم منذ قرون.

كان قيام دولة إسرائيل من أكبر الأحداث في القرن العشرين بعد الحربين العالميتين.
نبثت إسرائيل في حقل تربته التاريخ، وسماده الدين، وبذوره عقول جاءت من شرق أوروبا. اليد التي زرعت البذور فوق التراب بالقوة والسياسة، كان أبرزها ديفيد بن غوريون، صهيوني متطرف قاتل في الحربين العالميتين، وانجذب إلى الفكر الاشتراكي. ديفيد بن غوريون، هو من أعلن قيام دولة إسرائيل وترأس أول حكومة في الكيان اليهودي الجديد.
رحل بن غوريون، لكن فكره ورؤيته للقادم ووصاياه السياسية الاستراتيجية، ما زالت لها قوة الفعل لكل الساسة الإسرائيليين. دخل في تحالف مع فرنسا وبريطانيا في الحرب الثلاثية على مصر بعد تأميم قناة السويس، وأخذ ثمن ذلك وهو القنبلة الذرية، التي أعطته فرنسا سرها التقني.
كانت إسرائيل الأولى التي قادها بن غوريون، مزيجاً من القومية والدين اليهوديين، وكان الهاجس الأول والمؤثر هو القومية اليهودية العلمانية، وإن لم يغب النفس الديني التاريخي.
أقوال بن غوريون ووصاياه، ما زالت تتعالى في خطب القادة الإسرائيليين بمختلف توجهاتهم، ولا تغيب في الملاكمة السياسية داخل الكنيست وخارجه.
قال في خطاب ما سُمي بـ«إعلان الاستقلال»: «لا معنى لإسرائيل دون القدس، ولا معنى للقدس دون الهيكل».
وقال في خطابه بالمؤتمر الصهيوني: «لو كنت زعيماً عربياً، فلن أوقع اتفاقاً مع إسرائيل. لقد أخذنا أرضهم، التي وعدنا الله بها، لكن إلهنا غير إلههم». وأوصى بإدارة الصراع مع العرب، دون التوجه إلى حل شامل.
كانت تلك مرحلة إسرائيل الأولى التأسيسية، التي قادها ديفيد بن غوريون، وانتصر فيها على الجيوش العربية، وانتهت بالهدنة الموقعة في جزيرة رودس اليونانية، وألحقت الضفة الغربية إدارياً بالأردن، وقطاع غزة بمصر.
قبل أن يترك ديفيد بن غوريون قيادة حزب العمال الموحد (المابام) قرَّب إليه عناصر شابة، في مقدمتهم موشي دايان وشمعون بيريز وإسحق رابين وغولدا مائير وشارون. وهم الذين سيقودون إسرائيل الثانية.
بعد العدوان الثلاثي على مصر، وانسحاب القوات الفرنسية والبريطانية والإسرائيلية من الأراضي المصرية، بضغط أميركي وروسي، تغيرت السياسة الخارجية الإسرائيلية، ووطدت علاقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية، وفعّلت الوجود اليهودي في أميركا.
ساد في المنطقة هدوء عسكري وسياسي، ولم تشهد تصعيداً عسكرياً يذكر بين دولها. اتجهت إسرائيل الثانية، إلى التصنيع الواسع مدنياً وعسكرياً، والتعليم الحديث، وتقنية الزراعة.
بدأ يبرز التيار السياسي الديني، وانتعش حزب «حيروت» بقيادة مناحم بيغن. كانت خمسينات وستينات القرن الماضي، سنوات الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي. اصطفت مصر إلى جانب الشرق، في حين رفعت إسرائيل درجة علاقاتها مع الغرب.
القضية الفلسطينية، لم يكن لها حضور سياسي على موائد التعامل الدولي، إلا من الجانب الإنساني لمساعدة اللاجئين الفلسطينيين.
شرعت إسرائيل في إعادة إنتاج نفسها. القادمون الجدد الذين في الكيبوتزات، تحولوا إلى قوة منتجة في مختلف المجالات، وصار لهم حضور فاعل في الأحزاب السياسية. ترتب على ذلك تراجع هيمنة اليسار الاشتراكي اللاديني، واتساع التيارات السياسية الدينية.
في تلك الفترة عاش العالم العربي، حقبة التنابز السياسي الدعائي، كل طرف يكيل الصفات الشعاراتية للطرف الآخر. هذا الراديو يصف خصمه بالرجعي، والآخر بالتابع للسوفيات. وتوالت الانقلابات العسكرية في بعض الدول العربية. وتبنت الاشتراكية الارتجالية، واتسع العنف، وهاجرت العقول، وانحدر التعليم، وتآكل الاقتصاد.
غاص من سموا أنفسهم بالقوميين التقدميين، في بحور الأناشيد للأحلام والزعماء، والهتافات المقفاة لتحرير كامل فلسطين من العصابات الصهيونية، التي هي خنجر إمبريالي في الجسد العربي بلغة الإعلام الإيقاعي. لم تمأسس الدولة العربية، وتتخلق الهويات الاقتصادية للدول، وتضبط الاستراتيجيات الداخلية والخارجية.
في يونيو سنة 1967، حدد راديو «صوت العرب» من القاهرة، موعد غداء الجيوش العربية في تل أبيب، وصرخ المذيع الكبير أحمد سعيد في اليوم الثالث للحرب: «لقد سقط جبل المكبر يا أبناء اليهودية». في تلك الساعات كان الجيش الإسرائيلي على ضفة قناة السويس.
عندما قامت مصر بحشد قوتها في سيناء، عمَّ الخوف الإسرائيليين، واعتقد بعضهم بأن الجيوش العربية ستجتاح كل الأراضي الإسرائيلية في ساعات.
بعد النصر غير المتوقع للجيش الإسرائيلي على ثلاثة جيوش عربية، واحتلال كامل فلسطين التاريخية وسيناء والجولان، سادت في إسرائيل قناعة، أن الله هو من حقق ذلك النصر الأسطوري الكبير، وليس الجيش الإسرائيلي بمفرده.
انفتح الباب السياسي للأحزاب الدينية، وأصبح التطرف الصهيوني الديني، ورقة مضافة إلى صناديق الاقتراع.
حزب «العمل» الإسرائيلي الذي حكم الدولة منذ قيامها، بدأ يتراجع، وبرزت الأحزاب اليمينية الدينية الصهيونية.
حزب «الليكود» تشكل سنة 1973 بين تكتلات يمينية صهيونية وحزب «حيروت»، الذي أسسه مناحم بيغن، وطرح آيديولوجية متشددة ترتكز على تكريس دولة إسرائيل الكبرى، ورفض قيام دولة فلسطينية. هيمن المستوطنون على مفاصل الحزب. شكل حكومتي تحالف بقيادة إسحق شامير، وفي سنة 2009 شكل حكومة بقيادة بنيامين نتنياهو.
عاشت إسرائيل على مدى سنوات وجودها، تفاعلات سياسية تتحرك بقوة. غابت قوى سياسية وبرزت أخرى. لكن بقي الحبل الآيديولوجي الديني الصهيوني يربط كل تلك القوى رغم الخلافات السياسية الشديدة. التزمت كل قوى الطيف السياسي بوصايا ديفيد بن غوريون، وأفكار جيبوتنسكي الصهيوني العنيف العنصري. واصلت تقدمها العلمي والصناعي المدني والعسكري، وحققت اختراقات كبيرة في الجدار العربي والفلسطيني بعد اتفاقات أوسلو.
الآن لم يعد بين الأنظمة العربية، وحتى في المزاج الشعبي العربي، من يقول بتحرير فلسطين من البحر إلى النهر، ويرفض وجود إسرائيل.
إسرائيل الثالثة هي التكوين الذي حقق سطوته الإقليمية ودوره الدولي، وأعلن هويته اليمينية الصهيونية، ورفضه للهوية الفلسطينية، وتكريس منهج الأبارتهايد العنصري.
هل تحقق إسرائيل الرابعة، وصية ديفيد بن غوريون: «لا إسرائيل دون القدس، ولا قدس دون الهيكل»؟.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إسرائيل الثالثة إسرائيل الثالثة



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 20:47 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

اليونيسف تحذر من ضياع جيل كامل من أطفال السودان
  مصر اليوم - اليونيسف تحذر من ضياع جيل كامل من أطفال السودان

GMT 14:38 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

تامر حسني يتحدث عن نجم المرحلة المقبلة في التمثيل
  مصر اليوم - تامر حسني يتحدث عن نجم المرحلة المقبلة في التمثيل

GMT 00:33 2018 الثلاثاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

الأردن يستعيد سيادته على الباقورة والغمر

GMT 04:30 2018 الأحد ,17 حزيران / يونيو

جزيرة كريت أكبر جزر اليونان الرائعة

GMT 21:24 2018 الأربعاء ,10 كانون الثاني / يناير

زيادة أسعار تذاكر مترو الأنفاق في تموز المقبل

GMT 10:46 2017 الأحد ,24 كانون الأول / ديسمبر

عهد التميمي

GMT 04:32 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

جلسة تصوير تجمع بين طارق صبري وجيهان خليل

GMT 04:44 2017 الثلاثاء ,11 تموز / يوليو

الفاوانيا تسيطر على رائحة العطر الجديد من Kenzo

GMT 00:03 2022 الأحد ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

فولكس فاجن تؤخر طرح السيارة الكهربائية ترينتي

GMT 05:28 2018 الأحد ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ملابس محجبات للممتلئات مستوحاة من المصممة مروة حسن

GMT 14:13 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

رشا السباعي تهنئ ملكة جمال لبنان وتدافع عن عمرو دياب

GMT 23:37 2018 الأربعاء ,19 أيلول / سبتمبر

ريال مدريد الإسباني يفوز على روما الإيطالي بثلاثية

GMT 09:48 2018 السبت ,18 آب / أغسطس

تعرفي على طريقة عمل سمك مشوي بالخضار
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt