توقيت القاهرة المحلي 00:55:29 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حافلة واحدة وثلاث يافطات

  مصر اليوم -

حافلة واحدة وثلاث يافطات

بقلم: نبيل عمرو

هذا وصف تبسيطي لواقع الحال عند الطبقة السياسية الفلسطينية.
اليافطة الأولى مكتوب عليها منظمة التحرير، واليافطة الثانية مكتوب عليها السلطة الوطنية، واليافطة الثالثة مكتوب عليها الدولة الفلسطينية.
أمّا الحافلة فهي واحدة، وسائقها بكل يافطاتها واحد، وركابها هم ذاتهم، والطريق الذي تمشي عليه هو ذات الطريق.
الذي حملني على اختيار هذا التوصيف التبسيطي هو رفع الطبقة السياسية يافطة السلطة الوطنية حين كانت «أوسلو» في أوج ازدهارها ووعودها الباذخة، أي حين أنجبت مجالس وزراء، أي أصحاب معالي يرأسهم أصحاب دولة أو فخامة، وأنجبت كذلك برلماناً منتخباً معترفاً به من كل العالم بما في ذلك إسرائيل، ووقفت أهم شخصيات العالم على منبره الديمقراطي الحضاري للإعلان عن أن الظاهرة الفلسطينية دخلت مرحلة جديدة تؤهلها لأن تتحول إلى دولة.
في تلك الفترة الزاهرة هجرت الطبقة السياسية زوجتها الأولى منظمة التحرير، إذ تصرف كثيرون على أنه لا لزوم لها وصارت مجرد عنوان لمراسلات جانبية، ولزمت لمرة واحدة حين طلب من قيادتها إلغاء بنود من الميثاق الوطني، لتوفير مزيد من الصدقية للاعتراف بإسرائيل، والمضي قدماً في مسيرة أوسلو، فعقد مجلس وطني اتخذ سمة احتفالية تحت ظلال علم أميركي غطى واجهة عمارة من عشرة طوابق في غزة، وكان ضيف الشرف آنذاك الرئيس بيل كلينتون. قبل ذلك اللقاء الاحتفالي كان أعضاء المجلس الوطني الأول قد صفقوا وقوفاً لدى اعتمادهم الميثاق بكل بنوده، ثم صفقوا وقوفاً حين أُلغي بعض بنوده.
الذين في الواجهة الآن، أي ركّاب الحافلة إياها، هم هم، وكلهم صفقوا لإلغاء الميثاق بين يدي الرئيس الأميركي بيل كلينتون، وما إن انفضّ ذلك المجلس حتى صارت المنظمة أمام إلحاح السلطة الجديدة نسياً منسياً، وتوخياً للدقة فقد ظلت بعض هياكلها قائمة وصارت تتقاضى نفقة شهرية من وزارة مالية السلطة.
ظلت المنظمة كالزوجة المهجورة إلى أن قسا الزمان على السلطة الوطنية بفعل صفقة القرن، وصار أهلها وخصوصاً الوجهاء منهم يتحدثون عن عدم الأسف لحلها أي طلاقها، وتفادياً للفراغ جرى من جديد طرح إمكانية العودة إلى الزوجة القديمة، فقد لزمت منظمة التحرير بفعل الاضطرار ورفعت على الحافلة إياها لافتتها من جديد فصارت من خلال خطاب الطبقة السياسية البديل الجاهز والأفضل كما يقولون كبيت أمان للناس وللحقوق وللطبقة السياسية، وليس مستبعداً إذا ما تعرضت منظمة التحرير إلى ما تعرضت له السلطة، أن تُطوى لافتتها لتُرفع بدلاً منها على ذات الحافلة يافطة الدولة الفلسطينية حتى إن أحد وجهاء الطبقة السياسية قال: «إذا لم نستطع انتخاب مجلس تشريعي جديد فينبغي أن نُجري انتخابات لبرلمان الدولة لأن العالم كله سيقف معنا».
الفلسطينيون في حيرة من أمرهم بفعل تعدد اليافطات التي ترفعها الطبقة السياسية كبدائل بعضها لبعض، غير أن أكثر البدائل تداولاً، ولو على الصعيد الإعلامي، أنه في حال انهيار السلطة لأي سبب كان، فلا لزوم للقلق لأن الطبقة السياسية لديها البديل الجاهز، وهو نقل صلاحيات السلطة إلى اللجنة التنفيذية للمنظمة، ولا أحد يعرف ما الذي يجبر إسرائيل على تقديم التسهيلات للفلسطينيين بعد استبدال بيافطة السلطة يافطة المنظمة؟ ثم هل هنالك ضمانات مقنعة بأن ما كان يقدم للسلطة من دعم مالي سيزداد أو يبقى على حاله لو انتقلت صلاحيات السلطة إلى الفصائل؟ وهنالك أسئلة كثيرة عامة وتفصيلية يتداولها الناس بقلق لأن الطبقة السياسية لا تقدم أجوبة شافية حول التساؤلات التي يشتعل بها الشارع الفلسطيني.
من وجهة نظري، إن أسلم ما يمكن أن يُفعل في هذه المرحلة بالذات، هو التوقف عن لعبة رفع اليافطات وإنزالها وأن يقال للفلسطينيين إن إمكانية الاستفادة من الإطارات الرئيسية الثلاثة التي أنتجها كفاحهم، وهي المنظمة والسلطة واعتراف العالم بالدولة، تظل واردة وممكنة، وما يحتاج إليه الفلسطينيون ليس الانتقال الدراماتيكي الشعاري من إطار إلى آخر وإنما صياغة سياسة حاذقة تنسق بين هذه الإطارات الثلاثة ولا تُهجر أي منها مهما كانت الظروف.
السلطة تلزم بل ضرورية لإدارة شؤون الناس وتأمين مصالحهم من دون إدارة الظهر للأمر الواقع المفروض عليهم، والمنظمة ضرورية وأساسية بفعل كونها تمثل الشعب الفلسطيني أينما وُجد وتجسد البرنامج السياسي الاستراتيجي للحركة الوطنية الفلسطينية بكل ألوانها وأطيافها واجتهاداتها، أما الدولة فهي الهدف الذي يُجمع عليه كل الفلسطينيين حتى لو اختلفت اجتهاداتهم في سائر الأمور.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حافلة واحدة وثلاث يافطات حافلة واحدة وثلاث يافطات



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt