توقيت القاهرة المحلي 11:18:58 آخر تحديث
  مصر اليوم -

سارقو الثورات والثروات

  مصر اليوم -

سارقو الثورات والثروات

بقلم: فاطمة ناعوت

الثوراتُ أنشودةُ الشعوب الصادحةُ فى وجه الظلم والظلام؛ طلبًا للخلاص والحرية من الاستعباد والقهر والطغيان. لكنها مع ذلك، وكأى قصيدة مُغنّاة، قد تسقطُ على عيون عمياءَ لا تجيدُ قراءةَ الشِّعر؛ فتعمد إلى إساءة تأويل المعانى، أو تصادف آذانًا صمّاءَ لا تجيدُ تمييز النغم، فتتعمّد تشويه الإيقاع ليتحوّل إلى نشاز وضجيج.

وصدق «أبوالقاسم» إذ يقول: «إذا الشعبُ يومًا أراد الحياة/ فلابد أن يستجيبَ القَدَر»، فإذا استجاب القدرُ وتكللت مساعى الثوارُ بالنجاح، وسقط الظلمُ مع سقوط الطُغاة، ودنتِ الثمارُ شهيةً لا تحقُّ إلا لمُستحقيها، تهافت نحوها غيرُ المستحقين يرومون قِطافًا. هنا تبرزُ أنيابُ الخطر تحيق بالثورات الشريفة، يحاولُ اختطافَها طامعون وطغاةٌ جددٌ يتدثرون بعباءة الشعب الثائر المستحق للحرية؛ فتتحورُ الثورةُ النبيلةُ من شريان نابضٍ يخفقُ بالحياة، إلى فخٍّ وفكٍّ غليظ يُطبقُ أنيابَه الحادة على خاصرة الحلم، فيهشّم مفاصله! تكرّر هذا السيناريو المقيتُ مع جميع ثورات التاريخ؛ حين تبرزُ من الظلام وجوهٌ شائهة يهرعون نحو ثمار الثورة اليانعة، لا بقلوب المؤمنين بالحريّة والعدالة، بل بعيون الطامعين وأنياب المُستغل. هم كما الخفافيش العمياء، تتربّص بفراشات ملونة، يُغريها الضوءُ ثم لا تلبث أن تجد أجنحتها مكبّلةً بظلال الظلام.

ليس الأمسُ ببعيد. مشاهدُ اختلاس الثورات وسرقة الثروات، شهدناها نحن الأحياء فى نهارات قريبة مازالت ساطعة فى ذاكرتنا، فى بلادنا وبلاد من حولنا، أو قرأناها فى كتاب التاريخ خَطّته دماءُ أجيال سابقة. يعيدُ التاريخُ نفسَه لأن لا جديدَ تحت الشمس. يقومُ المثقفون وشرفاءُ الوطن الرافضون غيومَ الظلام بالثورات النبيلة، وتُهرقُ الدماءُ الطهورُ وتُزهقُ الأرواحُ الطيبةُ ثمنًا للحرية، فإذا ما أشرق فجرُ الحرية وأزهرتِ الزهورُ على جنبات الوطن، انقضت على الإشراق طفيلياتُ التيارات المتطرفة تستغل تداعياتِ الثورة وفوضى الحدث، فتبعثرُ أبجدياتِ الحلم لتعيد تشكيلَه بما يخدم مطامعها، بل وقد تفتحُ الأبوابَ مُشرعةً لدخول الأعداء التاريخيين الذين هرموا وهرمت أحقادُهم أمام الأبواب الموصدة. أولئك الطامعون القافزون على صهوات ثورات الشعوب، لا يقرؤون الثورةَ كدعوة للعدل والحق والخير والجمال، بل كفرصة لتكريس أركان استبداد آخر، مغلفٍ بشعارات جوفاء ووعود كذوب، أبدًا لا تتحقق. يتوسّلون سياسة بنى صهيون الشهيرة فى الزحف البطىء نحو الهدف الاستيطانى. فى البدء يسيرون بخطوات هادئة ووجوه بشوشة تطفر بالبشر والسماحة، وكأنما هم جزءٌ من الحلم النبيل، حتى يزرعوا أقدامهم فى قلب المشهد، فيخرجون نحو النور مع الخارجين من الجماهير الطيبة، فإذا ما اندمجوا فى النسيج الثائر، سقطت الأقنعة وشاهت الوجوه وانفضحت الأرواح الباغضة، التى تُحوّلُ الظلمَ القديم إلى ظلم جديد، وتستبدل بالظلام الغابر ظلامًا أوغلَ إعتامًا.

لصوصُ الثورات مَهرةٌ فى وظيفتهم، يعرفون جيدًا كيف يسرقون الأصوات مثلما يسرقون الثروات. يدركون كيف يضبطون أوتار حناجرهم على إيقاع النشيد الجماهيرى النبيل؛ بعدما يخبئون داخله صدى أيديولوجياتهم الإقصائية الاستعبادية. وحالما تحين لحظة التمكين وينالون فرصة الإمساك بمقاليد الأمور، يتحولون إلى قضبان أخرى، ليست من الحديد والفولاذ كما السابق، بل من أعمدة الظلام المعتم تُحاصر الكرامة وتسجن الحرية التى ولدت من رحم الثورة. الخطورة الكبرى ليست وحسب فى سرقة الثورة، واستراق صوت الحُلم النبيل، بل يكمنُ الهولُ العظيم فى تفتيت الجسد الذى أشعل الثورة وشيّد الحُلم.

لصوصُ الثورات يعرفون جيدًا كيف يزرعون بين الناس شتاتًا، ويفككون الكتل المتضامّة إلى شيعٍ ومذاهبَ وطوائف متناحرة متباغضة كما خلايا مسرطنة فى جثمان عليل يأكلُ بعضُه بعضًا، بعدما كان جسدًا واحدًا صلبًا يقفُ ممشوقًا فى وجه الظلم والطغيان. ذاك أنهم يجيدون غرس بذور الريبة والشك بين الناس حتى تطرح مع الأيام أشجار الشر المحمّلة بحناظل البغضاء والارتياب والعداوة. فما كان صرخة واحدة قوية فى وجه الظلم، يتفتّت إلى حشرجات عليلة لجسد متهافت يهاجم نفسه بنفسه فيما يشبه التدمير الذاتى.

تلك التيارات المتطرفة لم تولد من متون الثورة، ولا أنجبتها لحظاتُ الفوضى التى عادةً ما تصاحب الثورات النبيلة، بل هى موجودة منذ البدء، كما الذئب الذى يدّعى الخمولَ حتى تحين لحظة الانقضاض على الطريدة. فهى تعدُّ العدة فى الخفاء طوال الوقت، تمتلك المال والسلاح والجهات الداعمة، ولديها العقول التى ترسم الخطط والحناجر التى تتقن دبج الشعارات الرنانة التى تُسفر دائمًا عن صفر كبير خاوٍ لا صدق فيه. تلك الفصائل تعرف متى تختبئ وتندسُّ فى متون العتمة، ومتى تخرج إلى براح الضوء لتعلن عن نفسها فى الوقت المناسب. تعرفُ كيف تخاطبُ البسطاء بلغتهم وكيف تلوّح لهم بأحلام لن ترى النور أبدًا.

أيها الثوارُ الشرفاءُ فى كل مكان: احذروا لصوصَ الأحلام سارقى الأوطان.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سارقو الثورات والثروات سارقو الثورات والثروات



GMT 09:56 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ردّة أخلاقية

GMT 09:55 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

أميركا... ثقافة قديمة وعادية

GMT 09:53 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عن الحالتين الفلسطينية والسودانية

GMT 09:52 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... جولة جنوبية للطمأنة

GMT 09:50 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران

GMT 09:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... المطلوب إصلاح جذري قبل الانتخابات

GMT 09:45 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ينجح ترمب في تفكيك قنبلة نتنياهو؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt