توقيت القاهرة المحلي 10:45:30 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مايسترو «الضمير».. فى صالونى

  مصر اليوم -

مايسترو «الضمير» فى صالونى

بقلم: فاطمة ناعوت

بعد توقّف سنواتٍ، عاد صالونى الثقافى للنور فى «أروم»، وهو مكان جميل فى حى «مصر الجديدة»، يضمُّ قاعات مخصصة للدارسين والباحثين. بدأ صالونى عام ٢٠١٥، وتوقف أواخر ٢٠١٩ مع جائحة كورونا. كان الفنان «سمير الإسكندرانى» رحمه الله، الأبَ الروحى للصالون، حيث كنا نناقشُ كلَّ شهر موضوعًا مختلفًا، بحضور شخصيات عامة. آخر حلقات الصالون القديم فى أغسطس ٢٠١٩، كان «سيكولوجية الأخلاق»، بحضور ضيف الشرف البروفيسور «أحمد عكاشة». وبعد ستة أعوام من الصمت، استمددتُ حماسى لاستعادته من حماس المهندسة «مورا ذكرى»، مديرة «أروم». واخترتُ أن تكون عودةُ الصالون بموضوع «الضمير»؛ أرقى ما يمتلكُ الإنسان. استضفتُ للمناقشة: العميد د. «نانسى السيوفى»، التى تحدثت عن: آليات الضمير، والقاضى د. «آدم صالح»، الذى ناقش: «القانون قاضيًا». أما أنا فتحدثتُ عن «الضمير» بوصفه «صوتَ الله فى أعماقنا»، والرسالة الخاصة التى يُرفقها سبحانه مع كل كائن حى منذ ميلاده لتُهذّب كودَه الأخلاقى. تحدثتُ عن أقدم صكّ أخلاقى فى التاريخ: قانون «ماعت» المصرى، الذى يحوى ٨٤ مبدأً أخلاقيًّا، يحفظ النظامَ فى مجتمع كريم يسكنه كرماءُ. نصفها اعترافات إيجابية: «كنتُ عينًا للأعمى- ساقًا للكسيح- يدًا للمشلول- أبًا لليتيم»، وأخرى إنكارية: «لم أكذب- لم أظلم- لم أتسبب فى دموع إنسان- لم أعذّب حيوانًا- لم أكن وقحًا...».. ثم قصصتُ حكاية عجيبة حدثت معى، تؤكد هيمنة الضمير، وخضوعنا له. حين أصبتُ فى الجامعة بحالة غريبة فقدتُ فيها السيطرة على عنقى. رأسى يدور نحو اليسار دون إرادة منى!

أُعيده للأمام بيدى، فيعود للدوران! حدث ذلك فى محاضرة الإنشاء المعمارى، فحدجنى المُحاضِر د. «هشام الألفى» بنظرة عتاب تحولت إلى غضب، وهو يظنُّ أننى أشاغب فى محاضرته، فأطرقتُ بعينى خجلا، وأمسكتُ رأسى بعنف كيلا يتحرك، فانفجر الطلابُ ضحكًا، وشاعت الفوضى، وعنّفنى الأستاذُ، فبكيتُ، وركضتُ إلى البيت منهارةً؛ لأخبر أمى بأننى لن أذهب للجامعة بعد اليوم. فلا طاقة لى بيوم عسِرٍ آخر بعنق أصابه الجنون. دارت بى أمى دورة واسعة على الأطباء من جميع التخصصات: العظام، الأوعية الدموية، الأعصاب، الروماتويد... والجميع يؤكد أن كلَّ شىء على ما يرام، والأغربُ أننى لا أشعرُ بأى ألم فى عنقى، لكننى فقدت السيطرة عليه. أشارت مربيتى على أمى بأن تعمل لى «زارًا»، ربما «لبسنى جّن»! فأخذتنى أمى المثقفةُ إلى أ.د. «عادل صادق»، أستاذ الطبّ النفسى الشهير. جلستُ أمامه صامتةً مهزومةً، أنظرُ يسارًا، حيث لوحة سوريالية لحصان يركض. جلس الطبيبُ إلى يسارى حيث موضع عنقى «الملووح»، وراح يلاطفنى ويمازحنى، حتى اطمئننتُ، وشرع يدردش معى فى أمور عامة حول الطقس والثقافة والأدب وذكريات طفولتى والحيوانات الأليفة التى أُربيها وذكرياتى معها. وفجأةً تذكّرتُ واقعةً وقعت قبل عام، فقصصتُها؛ وما كنت أدرى أن فى تذكّرها «علاجى». كنتُ عائدةً من الكلية، ووضعتُ قدمى دون قصد على قطيطة ترضع من أمها أمام باب شقتنا. أصابنى الهلعُ من صوت موائها الموجوع، فحملتُها إلى جارنا البيطار «د. اسطفانوس»، وقدمت له ضحيتى وأنا أصرخ باكيةً: (انقذْها يا أنكل من فضلك!) فهدّأنى وطمأننى وربط جبيرةً حول عنقها النحيل وأعطاها حقنة مسكنة للألم، واستضفتُها مع أمّها وأشقائها فى بيتى حتى شُفيت تمامًا، وكبرت القطة وملأت الدنيا مواءً وشقاوة. ونسيتُ الأمرَ. نسيتُ الأمرَ «بعقلى الواعى»، لكن «عقلى الباطن» لم ينسه. هذا ما أخبرنى به د. «عادل صادق». ظلّ مشهدُ القطة الوليدة ملوية العنق يؤرق عقلى الباطن subconscious mind ويعذّبه. فلم يجد الضميرُ (الأنا العُليا) حلاًّ سوى «القصاص» بنفس جنس الجريمة. فأصدر أوامره لعنقى بأن يلتوى كما لويتُ عنقَ القطة. هذا ما يسميه الطب النفسى self-punishment أو العقاب الذاتى الذى به يحدثُ التطهّرُ والبراءُ من الخطايا.

خلقنا اللهُ تعالى على نحو شديد التعقيد. كلُّ إنسان دولةٌ كاملة لها مؤسساتٌ سيادية ثلاث: تشريعية، قضائية، تنفيذية. فى حالتى: شرّع المُشرّعُ (الضمير) أن تعذيب الحيوان جُرمٌ يستوجبُ العقاب. وحكم القضاءُ (اللاوعى) على شخصى «المتهَم» بعقاب من جنس الجريمة. وطبقت الحكمَ السلطةُ التنفيذية (أوامرُ المخ)؛ بإرسال نبضات كهربية، للجسد (المتهم). واستجاب المجرمُ (جسدى) للحكم، فالتوى عنقى حاملا رأسى الذى لم يدرِ كلَّ هذا، لكنه انصاع للحكم صاغرًا. نقل الطبيبُ الحكاية المنسية من عقلى الباطن إلى الواعى، فأدرك «ضميرى» أننى أصلحتُ خطئى، فسقطَ العقابُ، وشُفى عنقى. الضميرُ هو المايسترو الذى يقود أوركسترا سلوك الإنسان، فتخرج الجملةُ الموسيقية متناغمة؛ فإن غابَ؛ بدا النشازُ الأخلاقى. هنا يبرزُ «القانون» ليُصلحَ الفوضى. فالقانونُ هو حافظُ الحدّ الأدنى للأخلاق، بينما «الضميرُ» هو ضامنُ حدّه الأعلى. وإلى صالونى القادم بإذن الله، فى السبت الأخير من مارس.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مايسترو «الضمير» فى صالونى مايسترو «الضمير» فى صالونى



GMT 07:13 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 07:05 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 07:02 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

GMT 06:46 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 06:34 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 06:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

أوهام لبنانية

GMT 06:27 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt