توقيت القاهرة المحلي 07:53:39 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مايسترو «الضمير».. فى صالونى

  مصر اليوم -

مايسترو «الضمير» فى صالونى

بقلم: فاطمة ناعوت

بعد توقّف سنواتٍ، عاد صالونى الثقافى للنور فى «أروم»، وهو مكان جميل فى حى «مصر الجديدة»، يضمُّ قاعات مخصصة للدارسين والباحثين. بدأ صالونى عام ٢٠١٥، وتوقف أواخر ٢٠١٩ مع جائحة كورونا. كان الفنان «سمير الإسكندرانى» رحمه الله، الأبَ الروحى للصالون، حيث كنا نناقشُ كلَّ شهر موضوعًا مختلفًا، بحضور شخصيات عامة. آخر حلقات الصالون القديم فى أغسطس ٢٠١٩، كان «سيكولوجية الأخلاق»، بحضور ضيف الشرف البروفيسور «أحمد عكاشة». وبعد ستة أعوام من الصمت، استمددتُ حماسى لاستعادته من حماس المهندسة «مورا ذكرى»، مديرة «أروم». واخترتُ أن تكون عودةُ الصالون بموضوع «الضمير»؛ أرقى ما يمتلكُ الإنسان. استضفتُ للمناقشة: العميد د. «نانسى السيوفى»، التى تحدثت عن: آليات الضمير، والقاضى د. «آدم صالح»، الذى ناقش: «القانون قاضيًا». أما أنا فتحدثتُ عن «الضمير» بوصفه «صوتَ الله فى أعماقنا»، والرسالة الخاصة التى يُرفقها سبحانه مع كل كائن حى منذ ميلاده لتُهذّب كودَه الأخلاقى. تحدثتُ عن أقدم صكّ أخلاقى فى التاريخ: قانون «ماعت» المصرى، الذى يحوى ٨٤ مبدأً أخلاقيًّا، يحفظ النظامَ فى مجتمع كريم يسكنه كرماءُ. نصفها اعترافات إيجابية: «كنتُ عينًا للأعمى- ساقًا للكسيح- يدًا للمشلول- أبًا لليتيم»، وأخرى إنكارية: «لم أكذب- لم أظلم- لم أتسبب فى دموع إنسان- لم أعذّب حيوانًا- لم أكن وقحًا...».. ثم قصصتُ حكاية عجيبة حدثت معى، تؤكد هيمنة الضمير، وخضوعنا له. حين أصبتُ فى الجامعة بحالة غريبة فقدتُ فيها السيطرة على عنقى. رأسى يدور نحو اليسار دون إرادة منى!

أُعيده للأمام بيدى، فيعود للدوران! حدث ذلك فى محاضرة الإنشاء المعمارى، فحدجنى المُحاضِر د. «هشام الألفى» بنظرة عتاب تحولت إلى غضب، وهو يظنُّ أننى أشاغب فى محاضرته، فأطرقتُ بعينى خجلا، وأمسكتُ رأسى بعنف كيلا يتحرك، فانفجر الطلابُ ضحكًا، وشاعت الفوضى، وعنّفنى الأستاذُ، فبكيتُ، وركضتُ إلى البيت منهارةً؛ لأخبر أمى بأننى لن أذهب للجامعة بعد اليوم. فلا طاقة لى بيوم عسِرٍ آخر بعنق أصابه الجنون. دارت بى أمى دورة واسعة على الأطباء من جميع التخصصات: العظام، الأوعية الدموية، الأعصاب، الروماتويد... والجميع يؤكد أن كلَّ شىء على ما يرام، والأغربُ أننى لا أشعرُ بأى ألم فى عنقى، لكننى فقدت السيطرة عليه. أشارت مربيتى على أمى بأن تعمل لى «زارًا»، ربما «لبسنى جّن»! فأخذتنى أمى المثقفةُ إلى أ.د. «عادل صادق»، أستاذ الطبّ النفسى الشهير. جلستُ أمامه صامتةً مهزومةً، أنظرُ يسارًا، حيث لوحة سوريالية لحصان يركض. جلس الطبيبُ إلى يسارى حيث موضع عنقى «الملووح»، وراح يلاطفنى ويمازحنى، حتى اطمئننتُ، وشرع يدردش معى فى أمور عامة حول الطقس والثقافة والأدب وذكريات طفولتى والحيوانات الأليفة التى أُربيها وذكرياتى معها. وفجأةً تذكّرتُ واقعةً وقعت قبل عام، فقصصتُها؛ وما كنت أدرى أن فى تذكّرها «علاجى». كنتُ عائدةً من الكلية، ووضعتُ قدمى دون قصد على قطيطة ترضع من أمها أمام باب شقتنا. أصابنى الهلعُ من صوت موائها الموجوع، فحملتُها إلى جارنا البيطار «د. اسطفانوس»، وقدمت له ضحيتى وأنا أصرخ باكيةً: (انقذْها يا أنكل من فضلك!) فهدّأنى وطمأننى وربط جبيرةً حول عنقها النحيل وأعطاها حقنة مسكنة للألم، واستضفتُها مع أمّها وأشقائها فى بيتى حتى شُفيت تمامًا، وكبرت القطة وملأت الدنيا مواءً وشقاوة. ونسيتُ الأمرَ. نسيتُ الأمرَ «بعقلى الواعى»، لكن «عقلى الباطن» لم ينسه. هذا ما أخبرنى به د. «عادل صادق». ظلّ مشهدُ القطة الوليدة ملوية العنق يؤرق عقلى الباطن subconscious mind ويعذّبه. فلم يجد الضميرُ (الأنا العُليا) حلاًّ سوى «القصاص» بنفس جنس الجريمة. فأصدر أوامره لعنقى بأن يلتوى كما لويتُ عنقَ القطة. هذا ما يسميه الطب النفسى self-punishment أو العقاب الذاتى الذى به يحدثُ التطهّرُ والبراءُ من الخطايا.

خلقنا اللهُ تعالى على نحو شديد التعقيد. كلُّ إنسان دولةٌ كاملة لها مؤسساتٌ سيادية ثلاث: تشريعية، قضائية، تنفيذية. فى حالتى: شرّع المُشرّعُ (الضمير) أن تعذيب الحيوان جُرمٌ يستوجبُ العقاب. وحكم القضاءُ (اللاوعى) على شخصى «المتهَم» بعقاب من جنس الجريمة. وطبقت الحكمَ السلطةُ التنفيذية (أوامرُ المخ)؛ بإرسال نبضات كهربية، للجسد (المتهم). واستجاب المجرمُ (جسدى) للحكم، فالتوى عنقى حاملا رأسى الذى لم يدرِ كلَّ هذا، لكنه انصاع للحكم صاغرًا. نقل الطبيبُ الحكاية المنسية من عقلى الباطن إلى الواعى، فأدرك «ضميرى» أننى أصلحتُ خطئى، فسقطَ العقابُ، وشُفى عنقى. الضميرُ هو المايسترو الذى يقود أوركسترا سلوك الإنسان، فتخرج الجملةُ الموسيقية متناغمة؛ فإن غابَ؛ بدا النشازُ الأخلاقى. هنا يبرزُ «القانون» ليُصلحَ الفوضى. فالقانونُ هو حافظُ الحدّ الأدنى للأخلاق، بينما «الضميرُ» هو ضامنُ حدّه الأعلى. وإلى صالونى القادم بإذن الله، فى السبت الأخير من مارس.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مايسترو «الضمير» فى صالونى مايسترو «الضمير» فى صالونى



GMT 11:00 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

احتفلوا بقاتله

GMT 10:59 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

أفلام حكومية.. “عطلة 3 أيام”

GMT 10:58 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

لغز اغتيال سيف…

GMT 10:57 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

ثلاث “ساعات” حاسمة: طهران.. واشنطن.. تل أبيب

GMT 10:56 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

الشرع بعيون لبنانية

GMT 10:55 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عبلة كامل... فصاحة الصَّمت

GMT 10:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عندما لا تشبه النتائج السياسات

GMT 10:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

التهمة: مُزعجٌ مثل «ذبابة الخيل»

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 07:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات
  مصر اليوم - عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt