توقيت القاهرة المحلي 13:22:22 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«الفيلسوفة الطفلة».. بقلم الدكتور «مراد وهبة»

  مصر اليوم -

«الفيلسوفة الطفلة» بقلم الدكتور «مراد وهبة»

بقلم: فاطمة ناعوت

أحد أهم كنوز مكتبتى، ورقتان «بخط اليد» كتبهما المفكر الكبير د. «مراد وهبة»، الذى خسرته مصرُ قبل أيام، بعد قرن من العطاء الفكرى الفريد، قضاه فى الدفاع الباسل عن العقل، والحرية، وحق الإنسان فى أن يفكِّر بلا وصاية، ويؤمن بلا إكراه، ويختلف بلا تكفير.

أما الورقتان، فتحملان عنوان «قيثارة الفيلسوفة الطفلة» وهى مقدمة لكتابى: «الكتابةُ بالطباشير الملوَّن»، الصادر عام ٢٠١٩ عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب». فى هذا الكتاب رسمتُ ما أرى من وشائجَ فنيةٍ وفكرية وفلسفية بين «العمارة»، مجال تخصصى الدراسى، وبين «الشعر والتشكيل والنحت والمسرح والموسيقى». أى الخيوط التى تربطُ الفنون الستة، كما صنّفها الإغريق، تحت قسمين: الإيقاع البصرى، الإيقاع السمعى. والحقُّ أن كلمات د. «مراد وهبة» النفيسة لم تكن تقديمًا تقليديًا لكتابى، بل قراءة فلسفية معمّقة فى جوهره الخبىء، كتبها «فيلسوفٌ» وهو يقرأ الأدبَ والهندسة والأرقام، كتبها «عقلٌ» وهو يُصغى إلى دهشة شاعرةٍ تتوق للطيران، كتبها مُعلمٌ وهو يحاور تلميذتَه وينقِّبُ فى عالمها.

(هذا الكتابُ جديرٌ بالقراءة، أيًّا كان اهتمامُ القارئ أو تخصّصه. فهو وما يشاءُ من قراءة: لتحليل لوحات فنيّة، أو واجهات معمارية، أو نظريات فلسفية، أو رؤى سياسية. ومع ذلك فإن المشترك بين هذه القراءات هو المفارقاتُ أو الإشكالياتُ أو التناقضات. وهذه بدورها لها أساسٌ مشترك كامنٌ فى دهشة قريبة من دهشة الطفل، من حيث هى دهشةٌ تنطوى على تفلسفٍ مثلما ارتأى «أرسطو» عندما قال فى مفتتح كتابه «الميتافيزيقا»: «إن الإنسانَ يبدأ التفلسفَ بسبب الدهشة». أى أن: الدهشة أمُّ الفلسفة.

وصاحبة هذا الكتاب، «فاطمة ناعوت»، تمارسُ هذه الدهشة. ومن هنا يمكن أن يُقال عنها إنها «الفيلسوفة الطفلة». ولا أدلَّ على صحّة هذا اللقب، من أنها تريد أن تبقى على حال الطفولة، لكى ترى الكونَ كما يحلو لها، وليس كما هو عليه. ومن ثمَّ فهى تلعبُ مع الكون وفى يدها قيثارةُ الفيلسوف. وهى تزهو بهذه القيثارة لأنها تريدُ أن تستمتع بالفنّ وهى تتفلسف، أو بالأدقّ، تريد أن تُذيبَ الفنَّ فى التفلسف؛ لكى تلوى عنقَ الواقع، حتى يطابقَ أحلامَها.

وما يشغلُها وهى فى هذه الحالة أسئلةٌ «جوجان» الثلاثة:

والكاتبةُ، وهى تثيرُ هذه الأسئلة، تريد إثارة الوعى بالهُوية فى سياق الوعى بالزمن. وإذا كان الزمنُ مُكوّنًا من ثلاث آنات: الماضى والحاضر والمستقبل؛ فالسؤالُ الأول يرمزُ إلى الماضى، والثانى إلى الحاضر، والثالثُ إلى المستقبل. والمغزى أنه ليس فى الإمكان تناوُل سؤال «الهُوية» بمعزلٍ عن «الزمن». وإذا حدث وتمَّ العزلُ؛ فإنه يكون لدينا هويةٌ ثابتةٌ ومنغلقة، على نحو ما ارتأى «أرسطو» بسبب تأسيسه منطقًا شكليًّا؛ يستندُ إلى مبدأ «عدم التناقض». وهو مبدأٌ من شأنه إقصاءُ أحد الطرفين، ومن ثَمَّ ينتفى التطورُ. وهذا على الضدّ مما تستمتع به «فاطمة ناعوت»، من رؤية ضِدين متنافرين؛ مثل قولها: «التسوُّل بالموسيقى» أو «الكتابة بالطباشير» فى عصر إلكترونى، أو «إرهابُ النخبة المثقفة» الذى يتمثّل فى أن لدى تلك النخبة: «جرثومةُ احتكار الصواب بالمطلق»؛ وهو فى رأيها أمرٌ خطير يهدد مسارَ الحضارة الإنسانية.

أما إذا دخلت الهُويةُ فى علاقة مع الزمن، فإنها فى هذه الحالة تخضع للتطور؛ الذى هو سُنَّة الزمن. وإذا حدث وتمَّ ذلك التداخُلُ يكون لدينا هُويةٌ متطورة على نحو ما ارتأى «هيجل»، فى سياق منطقِه الجدلىّ الذى يؤلِّف فيه بين نقيضين، ويرتفع بهما إلى فكرة مبدعة، يكون من شأنها إزالة التناقض.

واللافت للانتباه هنا أن «فاطمة ناعوت» تؤثِرُ السؤالَ الأول على السؤالِ الثالث، لأنها تؤثرُ الماضى على المستقبل. إلا أن هذا الإيثارَ لا علاقة له بإرهاب «الإسلام السياسى» الذى يريدُ إحالتنا إلى الماضى؛ من أجل تأسيس «وهم الخلافة الإسلامية»، واتهام كلّ مَن يقف ضد هذا الوهم بأنه يزدرى الدين. وهو اتهامٌ ظالم أصاب «فاطمة ناعوت» نفسها من بين مَن أصاب، غير أنها كانت إصابةً عابرة خلتْ من أىّ أثرٍ سلبى بعد سنوات من العذاب والاغتيال المعنوى. أما إيثار الماضى لديها؛ فهو من قبيل العودة إلى حالة «الطبيعية»، أى عناق الطبيعة، تلك الحالة التى ينعم بها الأطفالُ قبل أن يدخلوا فى «دار المحرّمات الثقافية»؛ التى شيّدها الكبار. ألم أقل لكم إن فاطمة ناعوت فيلسوفةٌ وطفلة؟). مراد وهبة.. ١٩ مايو ٢٠١٨.

هكذا قرأ الفيلسوفُ كتابَ تلميذته، ليترك أثرَه فى قلبى وفى ذاكرة التاريخ. رحم اللهُ أحد أجمل فلاسفة العقل، والصوت الجسور الذى واجه التطرفَ بالفلسفة، لا بالشعارات.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«الفيلسوفة الطفلة» بقلم الدكتور «مراد وهبة» «الفيلسوفة الطفلة» بقلم الدكتور «مراد وهبة»



GMT 06:11 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

تفاءلوا

GMT 06:09 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

السّعودية وفنّ السّياسة والتَّدبير

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

اتفاق الستين يوماً واللايقين السياسي

GMT 06:04 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

كيف نجحت الصين في إدارة أزمة النفط؟

GMT 06:02 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

عن إيران التي تتغير

GMT 05:59 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

أزمة «الدفاع» البريطانية

GMT 05:56 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

باكستان الجديدة

GMT 05:53 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

ما يخفيه الخبر العاجل

صبا مبارك تتألق بإطلالات عصرية راقية تواكب نجاح الفني

أبوظبي ـ مصر اليوم

GMT 05:52 2026 الإثنين ,15 حزيران / يونيو

بي إم دبليو M3 موديل 2027 تظهر لأول مرة
  مصر اليوم - بي إم دبليو M3 موديل 2027 تظهر لأول مرة

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 23:53 2013 الخميس ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

إكسسوارات تضفي أناقة وتميُّزًا على مظهرك

GMT 20:04 2019 الثلاثاء ,04 حزيران / يونيو

قرص واحد "يطيل عمر" مرضى سرطان البروستات

GMT 07:05 2021 الأحد ,31 كانون الثاني / يناير

شكري يستقبل رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي الأحد

GMT 00:39 2021 الإثنين ,18 كانون الثاني / يناير

هنا الزاهد وزوجة كريم فهمي تثيران الجدل بفساتين قصيرة

GMT 19:10 2020 الثلاثاء ,03 آذار/ مارس

روبي تشاهد العرض المسرحي "علاء الدين"

GMT 00:00 2019 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

رمضان صبحي يؤجل إعلان مصيره مع الأهلي

GMT 08:45 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

"أبل" تُطلق جهاز "Homepod Mini" و3 هواتف جديدة

GMT 07:42 2018 الجمعة ,31 آب / أغسطس

كشف غموض فتاة توفى زوجها بسببها في تكساس
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt